الحنين إلى أيام لم تكن مثالية… لكنها كانت أهدأ
ياسمين غريب
كم مرة وجدنا أنفسنا نقول بحسرة دافئة: «رزق الله على هيديك الأيام»؟ نتذكر لحظات بسيطة كنا نظنها عابرة، ولم نكن نعرف أنها ستتحول يوماً إلى ملاذ نلجأ إليه كلما أثقلتنا الحياة.
يأتي الحنين من دون موعد. قد توقظه أغنية قديمة سمعناها في سيارة والدنا، أو رائحة خبز كانت تملأ البيت صباحاً، أو فنجان قهوة يشبه قهوة الجدة، أو شارع نمر به فنكتشف أن ملامحه تبدلت. عندها، لا نرغب في العودة إلى المكان فقط، بل إلى الشعور الذي كان يسكننا فيه، إلى الأمان، وإلى أيام كانت صعبة، لكنها أقل ازدحاماً داخل القلب.
فنحن لا نشتاق دائماً إلى الماضي نفسه، بل إلى النسخة التي كنا عليها فيه، إلى أنفسنا قبل أن تثقلها المسؤوليات، وقبل أن يصبح القلق من المستقبل رفيقاً يومياً، وقبل أن نتعلم إخفاء تعبنا خلف عبارة: "أنا بخير". لم تكن الأيام القديمة خالية من الألم. عرِفت الفقر والانتظار، وخيبات أرهقت القلوب، وأحلاماً تأخرت حتى ظننا أنها لن تأتي. شهدت دموعاً وفراقاً وأياماً بدت أثقل مما نحتمل. ومع ذلك، كان في تفاصيلها دفء نفتقده اليوم. كانت الحياة أبطأ، وكانت الأشياء الصغيرة قادرة على إسعادنا.
كان يكفينا اتصال واحد من شخص نحبه ليغمر يومنا بالسعادة، أو جلسة هادئة على الشرفة، وحديث يمتد حتى يتعب الليل. كان الضحك يخرج من أعماق القلب، عفوياً وصادقاً، ولم نحتج إلى كاميرا تثبت أننا سعداء. بقيت تلك اللحظات محفورة في الذاكرة، لا في الصور، ولذلك ما زالت تسكن القلب. كنا نلتقي حول مائدة واحدة نتبادل الأحاديث، ونختلف ثم نتصالح، ونضحك حتى يمتزج الضحك بدفء المكان، من دون أن تسرقنا الشاشات. وكانت زيارة عفوية من قريب أو جار كفيلة بأن تحيي البيت، تُعد القهوة على عجل، وتُفتح علبة الحلوى المدّخرة للضيوف، وكأن الفرح دخل مع الطارق من الباب.
نشتاق إلى صباحات العائلة التي كانت تبدأ برائحة الزعتر والشاي، وبصوت الأم وهي تجمع الجميع حول مائدة الفطور، وإلى الأب العائد من عناء يومه، فتتسابق الخطى الصغيرة لاستقباله، وكأن حضوره وحده يكفي ليملأ البيت طمأنينة. ونشتاق إلى الطفل الذي كان يجد في أبسط الأشياء عالماً كاملاً، فيحوّل صندوقاً من الكرتون إلى بيت للأحلام، ودرج المنزل إلى ملعب لا تنتهي مغامراته. كنا نلِّح على أمهاتنا للنزول واللّعب مع أولاد الجيران، ثم نركض في الأزقة حتى تلهث أنفاسنا، ونتخاصم قبل أن نتصالح بعد دقائق وكأن شيئاً لم يكن. نعود بثياب غمرها الغبار، وقلوب خفيفة لا تعرف سوى الفرح. لم نحتج إلى ألعاب باهظة أو أماكن مترفة، كان رصيف صغير، وكرة بالية، وصحبة صادقة، كافية لصنع سعادة لا تقدر بثمن.
أغرب ما في الحنين أنه لا يوقظ دائماً الذكريات العظيمة، بل التفاصيل التي حسبناها عابرة: ثياب العيد الموضوعة قرب السرير بلهفة انتظار الصباح، والمصروف الصغير الذي جعلنا نشعر بالغنى، وبرامجنا المفضلة التي كنا ننتظرها في موعد محدد لنجتمع أمام شاشة واحدة، ونتشاجر على تغيير القناة، من دون أن ندرك أن ذلك الضجيج كان شكلاً من أشكال الحياة. ونشتاق إلى أشخاص لم يعودوا هنا، لكن أصواتهم ما زالت حاضرة في ذاكرتنا. نفتقد من كانوا يمنحون البيوت معناها، والشوارع روحها، والأيام دفئها. نفتقد وجوهاً رحلت، وأصواتاً خفتت، ولحظات لم نكن نعرف أنها الأخيرة.
ربما لم يسرق الزمن منا الأشخاص وحدهم، بل سرق طريقتنا في الشعور. أصبح كل شيء أسرع: الوقت، العمل، والأخبار، حتى العلاقات. ننتقل من موعد إلى آخر، ومن شاشة إلى أخرى، حتى أصبحنا نلتقط صور اللحظات أكثر مما نعيشها. نعرف الكثير عن العالم، لكننا قد نعجز عن معرفة ما يختبئ خلف صمت شخص يجلس إلى جانبنا. كَثُرت وسائل التواصل، غير أن المسافات بين القلوب لم تتقلّص بالقدر نفسه. والمشكلة أننا اعتدنا التأجيل. نؤجل زيارة الأهل لأننا منشغلون، والاتصال بصديق قديم لأن الأيام مزدحمة، وكلمة حب أو اعتذار أو امتنان، وكأن الوقت سيبقى في انتظارنا. لكن الزمن لا ينتظر أحداً، وما نفوّته اليوم قد لا يمنحنا الغد فرصة لاستعادته.
أقسى ما في الحنين أننا لا ندرك قيمة بعض اللحظات إلا بعد انتهائها، لكن جماله أنه لا يأتي ليحزِننا فقط، بل لينبّهنا إلى ما يستحق أن نحافظ عليه. يمكننا أن نصنع في الحاضر ذكريات دافئة، وأن نبطئ قليلاً، ونجلس مع من نحب من دون أن يسرقنا الهاتف، ونقول لهم ما نشعر به قبل أن يصبح الكلام متأخراً.
الحياة لم تصبح أقل جمالاً، لكنها أصبحت أكثر استعجالاً. وما يرهق القلب ليس مرور السنوات، بل أن تمر بنا من دون أن ننتبه إلى نعَمِها الصغيرة. لذلك، لعلّ أجمل ما نتعلمه من الماضي هو ألا نؤجل الحياة، بل أن نعيشها وهي بين أيدينا، قبل أن تتحول هي الأخرى إلى ذكرى جميلة نسأل عنها بعد سنوات، كما نسأل اليوم عن أيام لم تكن مثالية… لكنها كانت تعرف كيف تمنحنا راحة القلب.
الأكثر قراءة
لون الحكمة والهدوء يخطف الأنظار بأناقته
نبض