هل يصبح الإنسان مجرد رقم؟
يشترك الاستبداد والتطرف في منطق واحد قوامه احتكار الحقيقة وإنكار حق الآخر في الاختلاف، ولعل أخطر ما في العلاقة بينهما أن كلاهما يغذي الآخر.
د. نواف القنطار
ثمة إشكالية تواجه المجتمعات المعاصرة، تتمثل في تراجع الإحساس بآلام الآخرين ومعاناتهم وانكفاء الفرد إلى عالم يزداد انغلاقاً على ذاته. فعلى الرغم من بلوغ المعرفة ووسائل الاتصال مستويات غير مسبوقة، أسهمت في نشر الوعي بالقضايا الإنسانية الكبرى وكسر احتكار المعلومات، إلا أنه كلما ازدادت هذه الوسائل تطوراً اتسعت معها المسافة الأخلاقية بين الناس، وأصبح الألم سلعة، والمأساة مادة إعلامية تفقد، مع كثرة تداولها، معناها الإنساني.
لا يمكن فهم هذه الظاهرة بمعزل عن البنى الاجتماعية التي تنتجها الحضارة المعاصرة، فالإنسان لا يعيش خارج ظروفه التاريخية والاجتماعية، بل داخل شبكة من العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية التي تشكل وعيه وتحدد نظرته إلى العالم، وفي ظل هيمنة منطق السوق والمنظومات المتسلطة، أصبحت قيم الربح والقوة والسيطرة تتقدم على قيمة الإنسان ذاته، لينتقل من كونه غاية في ذاته إلى وسيلة داخل منظومة الإنتاج والاستهلاك.
وعوضاً عن النظر إليه بوصفه ذاتاً حرة واعية، يُختزل الإنسان إلى رقم في إحصائية، أو يد عاملة في سوق، أو ضحية في تقرير إخباري، وبذلك يتراجع الحس الإنساني ويتحول التضامن والتعاضد بين الناس إلى لامبالاة عامة تجاه الألم والعذاب والعلاقات الإنسانية بصورة عامة، وهنا تبدأ ـ إن صح التعبير ـ عملية تجريد الإنسان من فرادته، فالرقم لا يملك وجهاً ولا ذاكرة ولا تاريخاً، ولذلك يسهل التعامل معه من دون أن يوقظ فينا ذلك الشعور الأخلاقي الذي يستثيره حضور الإنسان بوصفه إنساناً، وكلما اتسعت المسافة بين الإنسان وصورته المجردة، ازدادت قابلية المجتمع للتكيف مع الظلم والقسوة.
أسهمت الأنظمة السياسية في مجتمعاتنا في تعميق هذا الواقع، فالإخفاق في تحقيق العدالة الاجتماعية، واتساع الفجوة بين السلطة والمجتمع، وتحول السياسة إلى أداة لإدارة المصالح الخاصة عوضاً عن أن تكون وسيلة لخدمة الإنسان، دفع قطاعات واسعة من المجتمع إلى فقدان السيطرة على شروط حياتها وإمكانية التأثير في مصائرها، فأخذت تنشأ الحاجة إلى أفكار يقينية مطلقة تمنح الأفراد شعوراً زائفاً بالأمان على الأصعدة المختلفة، ولم يكن ظهور الحركات المتشددة حدثاً منفصلاً عن سياقه الاجتماعي، بل نتيجة مباشرة لأزمات اقتصادية عميقة عجزت الأنظمة القائمة عن معالجتها، فحين يعجز الواقع عن إنتاج الأمل، تصبح الأيديولوجيات المنغلقة أكثر جاذبية لأنها تقدم أجوبة بسيطة لتفسير عالم بالغ التعقيد.
يشترك الاستبداد والتطرف في منطق واحد قوامه احتكار الحقيقة وإنكار حق الآخر في الاختلاف، ولعل أخطر ما في العلاقة بينهما أن كلاهما يغذي الآخر، فالأنظمة الفاشلة أو تلك التي تستمد شرعيتها من مبررات تعسفية أو تأويلات ما ورائية، تجد في محاباة الفكر المتطرف ذريعة لاستمرارية سلطتها، كما يجد التطرف في الاستبداد بيئة مثالية لإعادة إنتاج نفسه. وإذا كانت كل سلطة تسعى إلى الهيمنة تحتاج إلى خطاب يبرر وجودها، فإن أخطر الخطابات تلك التي تُزرع في العقول وتُقدَّم بوصفها حقائق نهائية لا يجوز دحضها، وعندما يُلغى التفكير النقدي تتحول الطاعة والخضوع إلى قيمة أخلاقية، ويغدو اختزال الإنسان إلى سلعة أو رقم أو مجرد تابع أمراً قابلًا للتبرير.
ولا تكتمل الهيمنة بمجرد سد منافذ الوعي في المجتمع، بل حين تجعل الناس يقبلون أوضاعهم وكأنها قدر لا سبيل إلى تغييره، فليس الخطر في وجود أنظمة تقوم على الظلم فحسب، وإنما أيضاً في التسليم باستدامتها، لأنه من الصعب على الإنسان أن يقاوم ما ألفه، خصوصاً إذا فقد إحساسه بذاته وقبل بتحوله إلى رقم داخل منظومة لا تعترف إلا بالأرقام، لأن الرقم بحد ذاته لا يثير التعاطف، ولذلك فإن تحويل البشر إلى أرقام يشكل في جوهره عملية تجريدهم من إنسانيتهم.
لا يعني الدفاع عن إنسانية الإنسان تجاهل الاختلافات الفكرية أو السياسية، بل يعني الإقرار بأن الكرامة الإنسانية تسبق جميع الانتماءات الأخرى، فالأفكار قابلة للنقد والمراجعة، أما الإنسان فلا يجوز اختزاله إلى فكرة أو هوية أو موقف سياسي، وبالتالي فإن كل مشروع يدّعي الدفاع عن الحقيقة عبر إلغاء الإنسان يتعين أن ينتهي إلى نقيضه.
بعبارة أخرى، لا تُستمد قيمة الإنسان من عقيدته أو قوميته أو أفكاره، فهذه كلها صفات أو مرادفات مضافة، أما الإنسانية فهي الأساس الذي يسبقها جميعاً، ولذلك فإن الاعتداء على حياة إنسان لا يمثل خسارة فردية فحسب، إنما كذلك يمس المبدأ الذي تقوم عليه الكرامة الإنسانية ذاتها.
ومن هنا، فإن مهمتنا اليوم لا تقتصر على مواجهة استيلاب إنسانية الانسان فحسب، وإنما تشمل أيضاً مقاومة الشروط الاجتماعية والسياسية والثقافية التي تعيد إنتاجه باستمرار، فنحن بحاجة إلى ثقافة نقدية تعيد للعقل اعتباره، وإلى مؤسسات تحقق العدالة الاجتماعية، وإلى مجتمع يتعلم أبناؤه الحوار الحر فيما بينهم.
وفي هذا السياق، تتحمل النخب الثقافية مسؤولية استثنائية، فالمثقف ليس مجرد منتج للأفكار أو ناقل لها، بل هو ضمير نقدي وفاعل أخلاقي، وحين يصمت أمام الظلم أو يبرره، فإنه يسهم في إعادة إنتاجه، ولذلك لا تتمثل وظيفة الفكر في تزيين الواقع أو التكيف معه، بل في كشف تناقضاته والدفاع عن الإنسان في مواجهة كل أشكال الهيمنة، فعندما يخفت صوت العقل في زمن الأزمات وتعلو أصوات التعصب والتحريض، يغدو صمت المثقف تخلياً عن مسؤوليته الأخلاقية.
ولهذا فإن الإشكالية التي تواجه مجتمعاتنا اليوم ليست في التطور العلمي ـ التقني أو الهيمنة الرقمية على المجتمع، بل في ضرورة الوقوف ضد كل منظومة فكرية أو سياسية أو اقتصادية تجعل الإنسان وسيلة لا غاية، ورقماً لا وجهاً، وموضوعاً لا ذاتاً تستحق الحياة الإنسانية الحرة الكريمة. عندئذ يصبح المستقبل أكثر قابلية لأن يحمل البشرية على أن تكون أكثر تعاطفاً وإنسانية.
نبض