فخامة رئيس الجمهورية
إبراهيم حنّا الضاهر - وزير سابق
تتبوّؤون اليوم أرفع موقع في الدولة، بصفتكم حامي الدستور والمؤتمن، بالقسم الذي أدّيتموه، على صون لبنان ووحدته وسيادته. ومن الطبيعي أن يتطلع إليكم اللبنانيون في لحظة يواجه فيها وطنهم أزمة تمسّ وجوده ذاته.
لقد أصابت التطورات الأخيرة النسيج الوطني في الصميم، وعمّقت الانقسامات، وأطلقت قراءات ضيقة لمستقبل لبنان ومؤسساته. ومن هنا، ينتظر اللبنانيون منكم إعادة التأكيد على الرؤية التي يقوم عليها مشروعنا الوطني.
فلبنان ليس مجرد تعايش بين جماعات، بل مشروع وطني قام على تلاقح الأضداد، وحوّل تنوّعه الديني والثقافي والإنساني إلى قيمة حضارية مضافة. وهو تجربة فريدة جمعت بين الإسلام والمسيحية، وبين الجبل العصيّ على الخضوع والساحل المنفتح على العالم.
إن التخلي عن هذه الرسالة لا يفضي إلا إلى مشاريع تقوم على رفض الآخر، سواء تجلت في التقسيم، أو في قراءات متعسّفة للفيدرالية، أو في تحويل اتفاق الطائف إلى عقيدة طائفية. فجميعها لا تقبل بالآخر إلا إذا خضع
ويُلزمكم القسم الذي أديتموه أيضاً بصون سيادة الدولة وحماية كامل أراضيها.
ومن هذا المنطلق، وبعيداً عن السجالات التي تطغى عليها الانفعالات أكثر مما تستند إلى التحليل الموضوعي، لا أدري ما إن كانت غالبية اللبنانيين تؤيد اليوم التطبيع مع إسرائيل، أم ترى في الاتفاق الإيراني ـ الأميركي مدخلاً إلى معالجة أزمات المنطقة.
أما الاتفاق الإطاري الذي وُقّع في واشنطن، والذي قوبل بترحيب واسع في تل أبيب، وهي قراءة تبعث على القلق، فقد وصفه عدد من المراقبين والمحللين الدوليين بأنه تنازل أحادي الجانب أمام المطالب الإسرائيلية. بل إن بعضهم ذهب إلى أبعد من ذلك، معتبراً أنه قد يزجّ بلبنان، وهو الحريص على حياده، في صراعات المحاور داخل الولايات المتحدة نفسها، بين مؤيدي الاتفاقات التي رعتها إدارة الرئيس ترامب، وأنصار النهج الأميركي التقليدي الأكثر التصاقاً بإسرائيل.
أما الاتفاق الإيراني ـ الأميركي، فلا يقتصر أثره على العلاقات بين البلدين، بل يتخذ طابع اتفاق إقليمي تنعكس مفاعيله على لبنان، وعلى دول الجوار، وعلى عدد من القوى الدولية، فضلاً عن تأثيره في الاقتصاد العالمي.
ويرى مؤيدو هذا المسار أن الالتزام الصادق بتنفيذه قد يفتح الباب أمام معالجة التحديين اللذين يثقلان كاهل لبنان منذ سنوات: تحرير ما بقي من الأراضي المحتلة، من خلال نفوذ الدولة الوحيدة القادرة على التأثير في إسرائيل، أي الولايات المتحدة؛ وإعادة "حزب الله" إلى كنف الدولة، بقوانينها ومؤسساتها، عبر نفوذ الدولة الوحيدة القادرة على الإسهام في ذلك، أي إيران، إذا مضت في خيار التهدئة والاستقرار.
والوطن الذي يفقد مقوّمات مشروعية وجوده، يعجز عن أن يحتلّ مكانة تليق به بين الأمم. ومن هنا، تقع على عاتقكم مسؤولية صون هذه الرؤية، لأنها ليست إرثاً من الماضي فحسب، بل شرط بقاء لبنان ومستقبله.
ونحن على يقين، فخامة الرئيس، بأنكم تتحركون بدافع الإيمان الصادق بخدمة المصلحة الوطنية، وسط هذا البحر المتلاطم من الشكوك وعدم اليقين.
ولا ريب في أن الحفاظ على الوحدة الوطنية، وصون السيادة على كامل الأراضي اللبنانية، واحترام الشرعية الدولية، والعمل من أجل صيانة كرامة لبنان وتأمين مستقبل حرّ ومزدهر للأجيال الصاعدة، تشكل جميعها أولويات راسخة لديكم.
غير أن الخيارات السياسية المعتمدة في مواجهة هذه التحديات المصيرية تستوجب مزيداً من الإيضاح، بما يطمئن اللبنانيين إلى المسار الذي تسلكه الدولة.
إن القرارات التي تقع على عاتقكم اليوم تُعدّ من أخطر القرارات وأكثرها تأثيراً منذ انتهاء الحرب.
ونسأل الله أن يبقى عملكم موجهاً بالوفاء للبنان، والإخلاص للقسم الذي أدّيتموه، والاحتكام إلى العقل والحكمة، بعيداً عن ضغوط اللحظة وردود الفعل الانفعالية.
فالقضية المطروحة اليوم هي قضية بقاء لبنان وديمومته.
ونبقى على ثقة بحكمتكم.
وتفضلوا، فخامة الرئيس، بقبول فائق الاحترام والتقدير.
نبض