نصف دجاجة

منبر 09-07-2026 | 10:24

نصف دجاجة

كان سالم موظفاً حكومياً مطحوناً في تروس الحياة، من أولئك الذين تُكتب رواتبهم بالحبر وتُصرف بالدم.
نصف دجاجة
تعبيرية
Smaller Bigger

محمد سعيد حميد – اليمن 

 

 

 

كان سالم موظفاً حكومياً مطحوناً في تروس الحياة، من أولئك الذين تُكتب رواتبهم بالحبر وتُصرف بالدم.
في كل صباح يخرج إلى عمله مرتدياً قميصاً تجاوز عمره الوظيفي منذ سنوات، لكنه ما زال يؤدي واجبه الوطني في تغطية جسده. أما حذاؤه فقد صار أشبه بخريطة قديمة؛ تتشقق أطرافها كلما هطل المطر أو اشتدت حرارة الطريق.
راتبه يصل آخر كل شهر منهكاً أكثر منه، وكأنه هو الآخر يقف في طوابير الحياة الطويلة قبل أن يصل إلى يديه.
كانت طائرات "الالتزامات" تحوّم فوق رأسه كالغربان قبل أن يقبض الراتب:
المؤجر الذي يملك توقيتاً بيولوجياً أدق من ساعة بيغ بن، يتصل في الدقيقة نفسها؛ والمدرسة التي تبيع لأطفاله حلم المستقبل في مقابل كليته اليمنى شبح دائم ينتصب أمامه؛ وثمن الضوء الذي يرى به بؤسه؛ والماء الذي يغسل به همومه؛ والبقال الذي لا يبتسم له ابتسامة "الموناليزا" إلا مرة واحدة في الشهر.
بعد هذه المجزرة المالية، نظر سالم إلى ما تبقى من الراتب. لقد تبخّر بالكامل، باستثناء مبلغ صغير جداً، قرر بتهوّر أن ينفقه في "بذخ" الوجبة الشهرية.
في البيت كانت زوجته ناديا تحفظ فنون الاقتصاد التي لم تدرّسها أي جامعة. كانت قادرة على تحويل ربع كيس من الرز إلى شهر من الأمل، وتحويل نصف كيلو بطاطس إلى مشروع غذائي متكامل لأسرة كاملة.
أما الأطفال فكانوا يعرفون من أيام الشهر أكثر مما يعرفه علماء الفلك.
يوم تسلم الراتب: عيد.
اليوم التالي: بداية التقشف.
اليوم الخامس عشر: حالة طوارئ.
اليوم الخامس والعشرون: البحث عن المعجزات.
وكان أعظم أعيادهم كلها يوم تسلم الراتب.
منذ الصباح والأطفال ينتظرون عودة أبيهم من العمل، ما أن يصل حتى يحلقون عليه كالكواكب حول الشمس.
- "بابا جاب الراتب، بابا جاب الراتب!"
- بابا... اليوم المطعم؟
فيبتسم سالم وهو يتحسس الراتب في جيبه بحذر، كأنه يحمل مريضاً في غرفة إنعاش.
- نعم... اليوم المطعم.
فتنطلق الزغاريد الصغيرة داخل البيت.
ارتدت البنت فستان عيد العام الماضي الذي قصرت أكمامه.
ومشط الولد شعره ثلاث مرات.
تنهدت الأم وهي تعد حقيبتها الصغيرة، وعباءتها الأجمل، تلك التي لا تخرج إلا في المناسبات الوطنية والعائلية وتسلم  الراتب.
خرجوا إلى المطعم الشعبي. شيما مسكت بيد بابا اليمنى، وسامي باليسرى، والأم الى جانبهم.
وقفوا أمام باب المطعم يستنشقون رائحة الدجاج المشوي والبهارات. ابتلع سالم ريقه. لم يتبقَّ في معدته إلا ذكرى الشاي المُرّ الذي شربه فجراً.
جلسوا حول الطاولة كأنهم وفد رسمي في مؤتمر دولي مهم.
طلب سالم: "نصف دجاجة مشوية، مع سلطة، ورز، وأربعة عصائر."
ثم قال في نفسه "ونصفها الآخر... للشهر القادم".
اتجهت أعينهم نحو باب المطبخ أكثر مما اتجهت نحو بعضهم.
صمت مهيب.
صمت يشبه انتظار نتائج الامتحانات أو قرارات المحاكم.
تمر الدقائق بطيئة.
سامي قرع الملعقة على الطاولة.
خرجت أطباق للزبائن الآخرين.
تبعتها عيون الأطفال بحزن وغيرة مكتومة.
ناديا مسحت دموعاً لم تنزل: "اصبروا شوي."
ثم ظهر النادل أخيراً، باتجاههم.
"آآآآه" تنهد الجميع معاً.
كان يحمل صينية. عليها نصف دجاجة مشوية، تلمع تحت الضوء الشاحب كسبائك الذهب، يتصاعد منها البخار، يحيط بها جيش من البطاطس المقلية، وأكواب من العصير الأحمر الفاقع. فوضعها على الطاولة.
نصف دجاجة واحدة.
لكنها في نظرهم كانت قارة كاملة من السعادة.
اتسعت العيون.
لمعت الوجوه.
كادت البنت أن تصفق.
وابتسم سامي للنادل كما لو أنه جاء يحمل بشائر السماء.
وضع النادل الطبق على الطاولة.
فانتشرت رائحة الشواء بينهم كأنها نشيد وطني.
سادت حالة من الصمت المقدس، لم تكن تقطعها إلا قرمشة الجلد المحمرّ وصوت مصّ العظام بمهارة واحترافية لا تترك للقطط خلفهم أي أمل. في تلك اللحظات، نسي سالم الإيجار، ونسي المؤجر، وشعر بأنه إمبراطور روماني يطعم رعيته. شعر للحظة أن كل تعبه يختفي، وأنه يستحق هذه اللحظة. كان الأطفال يصفقون وأعينهم تلمع. سامي مد يده بسرعة لينزع الفخذ، وشيما أمسكت الجناح.
قال سالم: "بالهناء والشفاء". لكنه أكل قليلاً، وأبقى لهم. تظاهر بالشبع، رغم أن جوعه كان ينخر عظامه.
شربوا العصير حتى آخر قطرة.
وتبادلوا الضحكات.
وحين عادوا إلى البيت وقت الأصيل، مشت الأسرة بخفة غريبة لتوفير قيمة المواصلات، والبطون ممتلئة لأول مرة منذ ثلاثين يوماً.
كأنها عادت من رحلة سياحية في بلد بعيد.
وقبل النوم يبدأ التخطيط الاستراتيجي للمستقبل.
شيما: بابا، الشهر الجاي نعيدها؟ نروح نفس المطعم؟ لكن أنا آخذ الفخذ هذه المرة!
سامي: هيه، هيه، وأنا آخذ دجاجة كاملة لحالي!
ناديا ضحكت بخجل، ونظرت إلى سالم.
ابتسم سالم: "إن شاء الله... إن شاء الله."
لكنه لم يخبرهم بشيء. لا عن فاتورة الكهرباء التي كبرت، ولا عن الخبز الذي صار أغلى، ولا عن أجرة النقل التي ارتفعت، ولا عن دواء أمه الذي اضطر أن يشتري نصفه ويؤجل نصفه الآخر.
كان يعرف أن نهاية الشهر تعني أحياناً النوم على بطون فارغة، واختزال ثلاث وجبات في وجبة، وشرب الماء لتسكين ألم الجوع.
نام الأطفال فرحين، يحلمون بنصف دجاجة مشوية أخرى.
نامت ناديا مهمومة، تخطط كيف تحول الوجبتين إلى وجبة يتيمة، مقنعةً المعدةَ بأن الصبرَ طعامٌ، وكيف ستوزع الرز المتبقي على ثلاثة أيام. تعرف أنه في بعض الأيام، ينام الجميع مبكرين جداً في الثامنة مساءً، ليس حباً في الاستيقاظ المبكر، بل لأن "النوم" هو الوجبة المجانية الوحيدة المتاحة التي تسدّ جوع البطون.
نام سالم متأخراً، يحسب ويتألم ويحلم بوظيفة أفضل تخرج أسرته من العوز، والتقنين، والملابس المرقعة، وابتلاع الغصات، وبدجاجة مشوية لا تُنزع من أمامه قبل أن يشبع هو أيضاً.
وقفزت دمعة من عينه على الوسادة، فمسحها سريعاً لئلا تراها ناديا إذا تنبهت.
وابتسم في الظلام... فقد اكتشف أخيراً أنه يملك حلماً كبيراً:
نصف دجاجة مشوية أخرى... آخر الشهر القادم، إن كان ثمة راتب، أو نصفه.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 7/7/2026 7:21:00 PM
المتحدث باسم الداخلية السورية كشف عن الوصول لطرف خيط يدل على منفذي التفجيرات.
لبنان 7/8/2026 2:50:00 AM
عملت فرق الإسعاف على نقل المصابين إلى المستشفيات القريبة...
النهار تتحقق 7/7/2026 3:52:00 PM
حمل رجال مجسماً كبيراً للأمين العام لحزب الله، يتقدمهم عسكري، على وقع موسيقى حزينة.
النهار تتحقق 7/8/2026 11:54:00 AM
تساءل مستخدمون عن صحة هذا الخبر، وتمنى بعضهم أن يكون صحيحاً.