الحرب داخل البيوت... البطالة تشعل الخلافات الأسرية وطفولة تُسلب بصمت
فاتن كحيل
لم تنتهِ آثار الحرب عند حدود الدمار الذي طاول المنازل والحقول والطرق، بل امتدت إلى ما هو أعمق وأكثر ألماً: الأسرة. ففي القرى الجنوبيّة، لم تعد الحرب تُقاس بعدد الغارات أو حجم الخسائر الماديّة فحسب، بل بما تركته من تصدعات داخل البيوت، حيث فرضت البطالة والضائفة الاقتصاديّة والخوف المستمرّ واقعاً جديداً، غيّر شكل العلاقات الأسريّة وألقى بأعباء ثقيلة على الكبار والصغار.
داخل أحد المنازل في إحدى القرى الحدوديّة، تعكس حالة نموذجية واقعاً تعيشه عائلات كثيرة. يجلس أب فقد عمله بعد توقف المؤسسة التي كان يعمل فيها بسبب الحرب.
يقول: "كنت أعود إلى منزلي وأنا أحمل احتياجات أسرتي، أما اليوم فأعود وأنا أحمل القلق فقط. أصعب ما أشعر به هو العجز أمام أطفالي". كلمات تختصر معاناة كثيرين من الآباء الذين وجدوا أنفسهم فجأة بلا مصدر رزق، في وقت تتزايد فيه متطلبات الحياة يوماً بعد يوم.
البطالة... بداية أزمة تتجاوز الاقتصاد
مع توقف العديد من المؤسسات التجارية والصناعية، وتراجع الحركة الاقتصاديّة، وتعذّر الوصول إلى الأراضي الزراعيّة في كثير من المناطق الحدوديّة، ارتفعت معدلات البطالة بشكل ملحوظ. ولم يعد فقدان الوظيفة مجرد مشكلة ماليّة، بل تحوّل إلى عامل ضغط يومي داخل الأسرة.
فالضّائفة الاقتصاديّة دفعت عائلات كثيرة إلى تقليص نفقاتها إلى الحدّ الأدنى، وأصبح تأمين حاجاتها الأساسيّة تحدياً يوميّاً، الأمر الذي انعكس على العلاقات بين الزوجين، وزاد من حدّة التوتر والخلافات، خصوصاً مع استمرار الغموض بشان المستقبل.
عندما تدخل الحرب إلى تفاصيل الحياة اليوميّة
لم يعد المنزل ذلك المكان الذي يلجأ إليه أفراد الأسرة هرباً من القلق. فالحرب فرضت نفسها على كل زاوية من زوايا الحياة اليوميّة، ومع استمرار الضغوط النفسيّة والخوف من أي تصعيد جديد، أصبجت المشاحنات أكثر حضوراً، وأصبح الحوار الهادىء يفسح المجال للانفعال والتوتر.
وتؤكد أم لثلاثة أطفال أن الحرب غيّرت كل شيء داخل منزلها، فتقول: "لم نعد نتحدث كما كنّا من قبل، حتى أبسط الأمور أصبحت سبباً للخلاف، لأن الجميع يعيشون تحت ضغط نفسي كبير."
إحدى الأمهات تصف هذا الواقع بقولها: "أصبحنا نفكّر طوال الوقت في كيفيّة تأمين حاجات المنزل. حتّى الأطفال باتوا يشعرون بثقل المسؤوليّة، رغم أنّنا نحاول إبعادهم عن همومنا."
لم تعد هناك أسرار داخل الأسرة
ومن أكثر التغيّرات التي فرضتها الحرب اختفاء الخصوصيّة داخل المنازل. ففي ظلّ النزوح أو العيش في منازل صغيرة أو لدى أقارب، أصبح الأطفال يسمعون كل ما يدور بين الكبار، من حديث عن الديون، والخوف، والمستقبل، والخلافات الزوجيّة.
وفي خضم هذه الأزمات، وجد الأطفال أنفسهم يكبرون قبل أوانهم. فمنهم من أصبح يعتني بإخوته الصغار، ومنهم من تخلّى عن جزء من طفولته ليخفّف العبء عن أسرته، فيما يعيش كثيرون قلقاً دائماً من المستقبل.
وتشير اختصاصيّة اجتماعيّة إلى أن الطفل الذي يتعرض باستمرار لهذه الأجواء يفقد تدريجاً شعوره بالأمان، ويبدأ بتحمل أعباء نفسيّة لا تتناسب مع عمره، ما ينعكس على شخصيّته وسلوكه وعلاقاته في المستقبل.
كما تشير تقارير منشورة الى أنّ الحرب في لبنان أثرت بصورة كبيرة في الأطفال وعائلاتهم، وفاقمت الضغوط الاقتصاديّة والنفسيّة، وزادت حاجة الأسر إلى الدعم النفسي والاجتماعي، إلى جانب المساعدات المعيشيّة.
أطفال فقدوا طفولتهم
يقول أحد المراهقين: "لم أعد أفكر بما سأصبح في المستقبل، بل في كيف أساعد أهلي اليوم". كلمات تختصر واقع جيل وجد نفسه يكبر قبل أوانه، بعدما أصبحت مفردات مثل القصف، والنزوح، والخوف، جزءاً من يوميّاته.
آثار تمتدّ إلى المجتمع بأكمله
ويرى اختصاصيّون نفسيّون واجتماعيّون أن استمرار هذه الضغوط قد يترك آثاراً طويلة الأمد، تبدأ بارتفاع معدلات القلق والاكتئاب، ولا تنتهي عند تراجع التماسك الأسري وضعف الاستقرار الاجتماعي. فالطفل الذي يكبر وسط الخوف والخلافات يحمل هذه التجربة معه إلى مراحل لاحقة من حياته، كما أن الأسرة التي تنهكها البطالة والضغوط تحتاج إلى أكثر من مساعدات مالية لاستعادة توازنها، كلّها عوامل قد تترك آثاراً نفسيّة تمتدّ سنوات، إذا لم تتوافر لمواجهتها برامج دعم نفسي واجتماعي متخصّصة.
ويرى خبراء أن مرحلة التعافي يجب ألا تقتصر على إعادة إعمار المنازل والطرق، بل أن تشمل إعادة بناء الانسان. فتوفير فرص العمل، ودعم الأسر الأكثر هشاشة، وتأمين الرعاية النفسيّة للأطفال والآباء والأمهات، كلّها خطوات ضروريّة لمنع تفاقم التفكك الأسري وحماية الأجيال المقبلة من آثار قد تستمر طويلاً.
قد تنتهي الحرب عسكرياً، لكن آثارها الاجتماعيّة تبقى حاضرة في تفاصيل الحياة اليوميّة. وبين أب أنهكته البطالة، وأم تحاول الحفاظ على تماسك أسرتها، وأطفال كبروا قبل أوانهم، تبدو الحاجة ملحة إلى خطط تعيد الأمل للعائلات، لأن إعادة بناء المجتمع تبدأ من إعادة بناء الأسرة، فهي الحصن الأول في مواجهة الأزمات، والأساس الذي يقوم عليه مستقبل أكثر استقراراً.
نبض