بين القرار والتغيير… ما الذي لا يحدث فعلياً؟
حنين الحسنية - باحثة، دكتوراه في الإدارة العامة وبناء المؤسسات
تُطرح مسارات إصلاحية متكررة داخل الإدارة العامة، تبدو في كثير من الأحيان امتداداً لما سبقها: مشكلات واضحة، خطط جاهزة، وإرادة معلنة للتغيير. لكن النتائج النهائية كثيراً ما لا تعكس حجم التوقعات.
غالباً ما يبدأ التغيير كقرار واضح؛ يُصاغ، يُعلن، ثم يُفترض تنفيذه. غير أن مرور الوقت يكشف الفجوة الحقيقية: ما كان يفترض أن يتغير يبقى على حاله، فيما تستمر الأعمال بالمسار ذاته وتُطبَّق القواعد الجديدة بعقلية قديمة.
ليست النصوص أو الإجراءات هي الإشكال، بل طريقة تطبيقها ومنطق التفكير الذي يحكمها. فالقوانين والأنظمة لا تمثل عائقاً بحد ذاتها، بقدر ما يعكس التنفيذ البطيء أو المتحفظ حدود العقلية التي تتعامل معها.
يتحوّل التغيير إلى مجموعة تعليمات عندما يغيب فهم معناه. ويُنفَّذ بالحد الأدنى من الالتزام عندما لا تتشكل قناعة حقيقية به. ويتراجع أثره عندما لا يراه العاملون حاضراً في سلوك القيادات، أو حين لا يُقدَّم كمسار يعكس تطوراً فعلياً لا مجرد تحديث شكلي.
الرفض للتغيير لا يظهر دائماً بشكل مباشر، بل يتجلى في الممارسة اليومية وفي الفجوة بين ما يُقال وما يُطبّق. ظاهرياً تسير الأمور وفق الخطة، لكن عملياً يبقى التغيير غير مكتمل بسبب ضعف الالتزام والمبادرة.
تشير تجارب مؤسسات استشارية عالمية مثل McKinsey إلى أن التغيير لا يُقاس بصدور القرارات، بل بمدى اتساقه مع الفهم والقناعة والسلوك الذي يرافقه؛ أي عندما يتحول من قرار إداري إلى اختيار واعٍ يتبنى مسارات جديدة بدلاً من إعادة إنتاج القديمة.
في هذا الإطار، لا يتحقق التغيير عبر إدخال أنظمة جديدة فقط، بل عبر تغيير المنطق الذي تُدار به المؤسسات. فالعقلية القديمة قادرة على تقويض أي إصلاح، وإبقائه محصوراً داخل حدوده الشكلية مهما بدا متقدماً على مستوى البنية أو الخطاب.
قد تبدو بعض الإدارات وكأنها أنجزت تحولاً في الإجراءات والهياكل والخطاب، بينما تبقى الممارسات اليومية على حالها. وهكذا يصبح التغيير شكلياً أكثر منه تحولاً فعلياً.
في المحصلة، لا يعود تعثر الإصلاح إلى غياب ضرورته، بل إلى كونه غالباً ما يُدار كعملية تنظيمية لا كتحول في أنماط التفكير.
فالأنظمة تتبدل، لكن المؤشر الحقيقي للتغيير يبدأ حين تتبدل العقلية التي تُدار بها هذه الأنظمة.
نبض