خريف "الفقيه" واستعراض "العثمنة": هل تبتلع طرابلس تركة طهران المتهاوية؟

منبر 07-07-2026 | 16:23

خريف "الفقيه" واستعراض "العثمنة": هل تبتلع طرابلس تركة طهران المتهاوية؟

المنطقة قد طوت إلى غير رجعة زمن الاستسلام للإملاءات، ولم يعد بإمكان بقايا مشروع "ولاية الفقيه" أو اللاهثين وراء نفوذ "عثماني متجدد" القفز فوق منطق الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية وجيشها الوطني
خريف "الفقيه" واستعراض "العثمنة": هل تبتلع طرابلس تركة طهران المتهاوية؟
تشييع علي خامنئي في طهران (أ ف ب).
Smaller Bigger

نانسي اللقيس

لم تعد المنطقة العربية تعيش على وقع ترتيبات أمنية مؤقتة، بل إنها ترتطم اليوم بعصر "الواقعية السياسية" الشرسة التي أسقطت الأوهام العسكرية وأعادت رسم موازين القوى من مراكز القرار العقائدي المنهكة في طهران وقم، إلى عواصم الشتات والقرار الدولي. فبينما كانت واشنطن تضج بالاحتفالات بذكرى استقلالها الـ250، كانت الساحة الإيرانية تعيش مشهداً جنائزياً استعراضياً يائساً بعد أربعة أشهر من حرب طاحنة بدأت بحدث زلزالي تمثل في مقتل المرشد علي خامنئي بضربات جوية أميركية وإسرائيلية مشتركة في الثامن والعشرين من شباط الماضي.

 

هذا التشييع المليوني المؤجل، الذي لم ينطلق إلا بعد تفاوض شائك لالتقاط الأنفاس، تحول إلى "اختبار كفاءة" إجباري لحكومة مرحلة ما بعد الحرب التي تحاول التغطية على انهيارها، واستباق الصراعات المكتومة بين أجنحتها المتصارعة التي بلغت حد قطع بث التلفزيون الرسمي تعسفاً عن كبير المفاوضين باقر قاليباف بسبب رفض الصقور لمسار الاستسلام، وسط محاولات مستميتة لتسويق شرعية المرشد "الخفي" مجتبى خامنئي الذي يدير الدفة من وراء الستار.

 

هذا التداعي البنيوي تبدّى بوضوح في توظيف طهران المفضوح للتلاوات القرآنية أمام الوفود الأجنبية كرسائل سياسية مبطنة تعكس العجز والارتباك؛ فمن استدعاء آيات غزوة بدر أمام الوفد السعودي لتلمس تداعيات الضربات المتبادلة، إلى آيات صلح الحديبية أمام الوفد قطر تثميناً للوساطة، وصولاً إلى قراءة آية استثنائية تحمل تلميحاً حارقاً أمام الوفد اللبناني الرسمي، تشير إلى محدودية استعداد الدولة اللبنانية لتحمل كلفة الخيارات الصعبة بعد أن وُضع لبنان أمام مسار إنقاذي حتمي يطوي عهد السجالات العقيمة.

 

هذا المسار اللبناني الإنقاذي تجسد في التوقيع على الاتفاق الإطاري برعاية أميركية مطلقة، والذي مثّل لحظة ارتطام مدوية أسقطت مراهقات حزب الله العسكرية؛ فهذا النص التاريخي الذي يستلهم دلالات محادثات "كامب ديفيد" 1978، يعد أول وثيقة استراتيجية تؤسس لإنهاء حالة العداء منذ تفاهمات أيار 1983، والحدث الأبرز منذ اتفاق الهدنة قبل سبعة وسبعين عاماً، حيث جاءت بنوده الأربعة عشر جليّة لتفرض واقعاً "لا رجعة فيه" يربط حتمية التسوية الشاملة بالتزام الحكومة اللبنانية الصارم باستعادة سيادتها الحصرية، ونزع سلاح الميليشيا وتفكيك ترسانتها ومصانع مسيراتها وفق فلسفة أمنية شرطية صارمة تقابلها خطة متدحرجة للانسحاب الإسرائيلي. لكن هذا العبور نحو الاستقرار يصطدم بالمأزق الأكثر خطورة والمتمثل في العقيدة العميقة للمؤسسة العسكرية اللبنانية؛ فالمنظومة العسكرية اليوم تواجه مخاوف حقيقية ترتبط بالتحولات الديموغرافية وتمدد المكون الشيعي داخل مفاصلها، مما يثير تساؤلات حادة حول مدى قدرتها أو رغبتها في خوض مواجهة مباشرة لنزع السلاح، خصوصاً بعد التحفظات الميدانية التي أبدتها القيادة العسكرية تجاه الترتيبات المقترحة في "المناطق التجريبية" جنوب وشمال الليطاني. ويتزامن هذا التردد العسكري مع معركة تجفيف الشرايين المالية عبر الفقرة 11 التي تفرض حصاراً شاملاً على كيانات الحزب، رغم استمرار بعض الجمعيات المقنعة (مثل جمعية متعاونة وغيرها) في محاولات مكشوفة للالتفاف على الرقابة الدولية؛ في وقت تظل فيه "البيئة المستنزفة" والمجتمع الشيعي تحديداً هما المستفيد الأول من صمود هذا الاتفاق لأنه البوابة الوحيدة لإنهاء اقتصاد الحرب وتدفق أموال إعادة الإعمار المشروطة بالرقابة الأمريكية الصارمة.

 

هذا الانكفاء المذل لنفوذ "ولي الفقيه" وتفكك شرايينه الإقليمية، شرّع الأبواب لخلط الأوراق السياسية بعنف وإعادة ترتيب العلاقات اللبنانية-السورية، وهو ما تجلى بوضوح في الانقلاب المشهدي الذي شهدته مدينة طرابلس فور وصول وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى دار الفتوى فيها، وسط استقبال شعبي حاشد عند مستديرة السلام وشوارع الجميزات، حمل أبعاداً عاطفية ووجدانية جارفة تعكس ارتباطاً تاريخياً وتطلعاً للتخلص من إرث النظام البائد في دمشق، ومناقشة ملفات ساخنة كملف الموقوفين الإسلاميين في السجون اللبنانية. غير أن هذه الحفاوة الطرابلسية، ورغم ما شابها من انتقادات داخلية حول انتقائية الدعوات الإعلامية واستبعاد وجوه دينية بارزة كالشيخ سالم الرافعي، اصطدمت فوراً بحذر وجودي صارم لدى بقية المكونات اللبنانية بعد أحداث عام 2025 الدامية في سوريا بحق العلويين والدروز والمسيحيين والكرد؛ فالموارنة والمسيحيون ينظرون بريبة وخوف تاريخي إلى أي انفتاح لا يمر عبر قنوات الدولة الشرعية تجنباً لإعادة إنتاج الصفقات والوصاية والالتفاف على المحاسبة وضمانات التعددية، وبذات الحدة، يرفض المكون الدرزي بقاطع ويقين استغلال الجبل كقناة نفوذ لـ"عثمنة متخفية" تحاول إدارة البلد بعقلية الإقطاع السياسي والمقاطعات الموالية للخارج، في حين ساد الفتور المطلق والوجوم أوساط الشيعة في البقاع والجنوب الذين يتقدم لديهم الهاجس الأمني وأمن الحدود المستنزفة على أي اعتبار آخر. إن هذا المشهد الإقليمي المتشابك يثبت بالدليل القاطع أن المنطقة قد طوت إلى غير رجعة زمن الاستسلام للإملاءات، ولم يعد بإمكان بقايا مشروع "ولاية الفقيه" أو اللاهثين وراء نفوذ "عثماني متجدد" القفز فوق منطق الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية وجيشها الوطني، فالحدود الرسمية والشفافية الصارمة، المدعومة باحتضان أمريكي علني لفرض الشروط وتفكيك جيوب التمرد وإغلاق الجمعيات المشبوهة، هما الحصن الأخير في وجه العواصف التاريخية العاتية.

الأكثر قراءة

حول العالم 7/4/2026 10:27:00 AM
يُعد الهيمبا من أكثر القبائل وداً في أفريقيا، لكنهم يرفضون أي ممارسات قد تهدد قيمهم وتقاليدهم.

فن ومشاهير 7/3/2026 11:00:00 AM
كشفت النجمة لبلبة في برنامج باب الخلق مع محمود سعد عن الأسباب الحقيقية وراء عدم زواجها مجدداً بعد الفنان حسن يوسف، وعلاقة النجم الكبير عادل إمام بالأمر.
موضة وجمال 7/6/2026 2:00:00 PM
الأبيض الرومانسي ينافس الألوان الجريئة