بعدما مرّت الذكرى… ماذا بقي من جورج خضر؟
جورج غندور
مضت الذكرى الثالثة بعد المئة لميلاد المطران جورج خضر. كُتب الكثير في المناسبة عن سيرته، وعلمه، وأدبه، وعمقه الروحي، ودوره في نهضة أنطاكية، واستعاد كثيرون كلمات المحبّة والامتنان لرجل أصبح، بحق، أحد أبرز الوجوه التي طبعت الكنيسة الأنطاكية في القرن العشرين.
لكن المناسبات لا تكتمل إذا اكتفت بالاحتفاء بالأشخاص. فالأهم من استذكار الرجل هو أن نسأل ماذا بقي من الرؤية التي عاش من أجلها؟ وهل الكنيسة التي تركها تسير اليوم في الاتجاه نفسه الذي أمضى عمره يدعو إليه؟
والسؤال يكتسب بعداً أكثر إيلاماً لأن المطران جورج لا يزال حيّاً بيننا. صحيح أن الشيخوخة، بما تحمله من ضعف الجسد وهدوء الذاكرة، أبعدته عن متابعة تفاصيل الحياة الكنسية كما كان يفعل طوال عقود، لكنه ما زال حاضراً، شاهداً صامتاً على مرحلة كاملة من تاريخ أنطاكية. ولعل من أكثر المفارقات قسوة أن يبدأ تراجع الأفكار التي حملها رجل، فيما الرجل نفسه لا يزال بين أبناء كنيسته.
لم يكن المطران خضر مجرد لاهوتي كبير، ولا كاتباً استثنائياً، ولا راعياً محبوباً. كان يحمل تصوراً متكاملاً للكنيسة، وكانت جميع مواقفه تنبع من رؤية واحدة، لا من اجتهادات متفرقة. لذلك فإن الحديث عن بساطته، أو جرأته، أو قربه من الناس، أو فهمه للأسقفية، لا يجوز أن يُقرأ باعتباره مجموعة فضائل شخصية، بل بوصفه تعبيراً كاملاً عن فهم لطبيعة الكنيسة ورسالتها في العالم.
لقد آمن بأن الكنيسة لا تُقاس بمظاهرها، بل بحضور المسيح فيها. ولهذا لم تكن البساطة عنده خياراً في أسلوب العيش، بل كانت جزءاً من الإيمان. لم يكن يرى في الأسقفية مقاماً يعلو على الناس، بل خدمة تنزل إليهم. ولم يحتَج إلى المظاهر ليؤكد سلطته، لأن السلطة، في فهمه، لا تستمد مشروعيتها من الهيبة، بل من المحبّة.
واليوم، يصعب على المراقب ألا يلاحظ أن المظاهر الإكليريكية أخذت تتقدّم على حساب تلك البساطة التي ميزت جيلاً كاملاً من الرعاة. وكأن صورة الكنيسة باتت تُبنى، شيئاً فشيئاً، على ما يظهر للعيان أكثر مما تُبنى على ما يُعاش في الخفاء.
وكان المال، في نظره، امتحاناً دائماً لحرية الكنيسة. لم يُعرف عنه يوماً أنه جمع ثروة، أو أحاط نفسه بمظاهر الغنى، أو تعامل مع أموال الكنيسة بوصفها مصدر قوة أو نفوذ. عاش حياة من النزاهة المالية النادرة، لأن قناعته كانت واضحة: ما تملكه الكنيسة ليس ملكاً لها، بل أمانة أودعها الله بين يديها. وكان يرى أن المال الذي لا يصل إلى الفقير يتحوّل، مهما كانت التبريرات، إلى عبء على الكنيسة لا إلى بركة لها.
لذلك لم يكن اهتمامه بالفقراء نشاطاً اجتماعياً يضاف إلى برامج الرعية، بل كان جزءاً من فهمه للإنجيل. فالفقير، في فكره، ليس موضوع إحسان، بل هو موضع حضور المسيح. وكانت الكنيسة عنده تُمتحن عند أبواب الفقراء أكثر مما تُمتحن في احتفالاتها.
كان قريباً من الناس لأن نظرته إلى الرعاية لم تكن إدارية، بل إنجيلية. لم يكن يكرر أجوبة جاهزة عن أسئلة جديدة، ولا يخاطب الناس من برج لاهوتي مغلق، بل يبدأ من الإنسان، من قلقه، ومن ضعفه، ومن تناقضاته، ثم يحاول أن يكتشف فيها عمل الله. ولهذا شعر كثيرون، حتى من خارج الكنيسة، بأن كلماته كانت تفهم العالم قبل أن تحاكمه.
أما جرأته، فلم تكن نزعة شخصية، بل هي ثمرة حرّيته الداخلية. فقد خاطب السلطات السياسية كما خاطب السلطات الكنسية، لا بدافع المعارضة، بل لأن الأسقف، في نظره، لا يستطيع أن يكون شاهداً للمسيح إذا خسر حرّيته في قول الحقيقة. وكان يدرك أن الصمت قد يكون أحيانا أخطر من الخطأ نفسه.
ويبقى قلب رؤيته في فهمه الإفخارستي للكنيسة. فالكنيسة عنده، ليست مؤسسة تجمع أصحاب الرتب، بل جماعة يجمعها المسيح حول مائدته، ويرأسها أسقف واحد لأنه أبو هذه الجماعة وخادم وحدتها. ولهذا تحفّظ عن التوسّع في ظاهرة الأساقفة المساعدين، ورفض أن تتحوّل الأسقفية إلى رتبة تُمنح تكريماً، أو مكافأة على القرب، أو محطة في مسار إداري. فالأسقف، في نظره، لا يوجد إلا من أجل كنيسة محلية حقيقية، لا من أجل المنصب نفسه.
ومن هنا تبرز المفارقة التي يصعب تجاهلها.
فالكثير من المبادئ التي دافع عنها المطران خضر طوال حياته لم تعد تحتل الموقع نفسه في الممارسة الكنسية. تراجعت البساطة أمام المظاهر، وخفتت الجرأة أمام حسابات الواقع، واتسعت المسافة بين الراعي والناس، وأصبح المال، في أحيان كثيرة، عنصراً مؤثراً في الحياة الكنسية، فيما توسعت أشكال من تنظيم الأسقفية لم يكن يخفي تحفظه عنها، لأنها، في نظره، تضعف معناها الإفخارستي.
ولا يتعلق الأمر هنا بإدانة أشخاص أو مقارنة أجيال. فالكنيسة تتغير، ولكل زمن تحدياته. ولكن من حقنا أن نسأل: هل بقيت الرؤية التي عاش من أجلها المطران جورج مرجعاً حيّاً في أنطاكية، أو أصبحت مجرد صفحة مشرقة في تاريخها؟
وثمة مفارقة أخرى لا تقلّ دلالة.
ففي السنوات الأخيرة، اهتمّت جامعات ومراكز لاهوتية وكنائس عديدة، أرثوذكسية وغير أرثوذكسية، بفكر المطران جورج خضر. عُقدت حوله الندوات، وكُتبت الدراسات، وأُعيدت قراءة إسهامه في اللاهوت والروحانية والحوار. أما في أنطاكية نفسها، فمن الصعب أن نجد مشروعاً أكاديمياً متكاملاً يليق بمكانة أحد أبرز لاهوتييها المعاصرين. ولم يتحوّل فكره إلى مادة أساسية في البحث والتعليم بالقدر الذي كان يُنتظر من الجامعة الأنطاكية التي تعب على إنشائها، أو من معهد القديس يوحنا الدمشقي للاهوت.
ولا تكمن المشكلة في غياب احتفال أو مؤتمر، بل في غياب مشروع يحفظ الذاكرة الفكرية للكنيسة. فالكنيسة التي لا تعود إلى كبار معلّميها، ولا تجعلهم جزءاً من حوارها الداخلي، تخسر شيئاً من قدرتها على مراجعة ذاتها. وقد يكون هذا الصمت أكثر تعبيراً من أيّ كلام. فالأفكار التي تحمل دعوة دائمة إلى البساطة، والحرّية، والنزاهة، والانحياز إلى الفقراء، والمجمعية، والمفهوم الإفخارستي للكنيسة، تبقى قادرة على مساءلة كل مرحلة. وربما لهذا السبب يصبح تجاهلها، أحياناً، أكثر راحة من الدخول في حوار معها.
لقد أدّى المطران جورج رسالته. كتب، وعلّم، وربّى، وشهد، وترك لأنطاكية واحداً من أغنى الإرث اللاهوتي والراعوي في تاريخها الحديث. أما السؤال الذي يبقى مطروحاً على الكنيسة اليوم، فهو ليس ماذا قدّم جورج خضر، بل ماذا فعلت هي بما تركه لها؟
لعل هذا هو السؤال الحقيقي الذي بقي بعدما انفضّت الاحتفالات، وانتهت كلمات التقدير، وعادت الحياة إلى إيقاعها المعتاد. فالتاريخ لا يذكر الكنائس بعدد الشخصيات العظيمة التي أنجبتها فقط، بل بقدرتها على أن تبقى أمينة للرؤية التي حملها أولئك الرجال. وفي هذا، ربما، يكمن الامتحان الأصعب الذي لا تزال أنطاكية مدعوّة إلى اجتيازه.
الأكثر قراءة
نبض