الضرائب في زمن الحروب... هل يتحمل الاقتصاد اللبناني مزيداً من الأعباء؟
د. علي حمود
في خضم الحرب مع إسرائيل واستمرار التوترات الإقليمية، تجد الحكومة اللبنانية نفسها أمام تحدٍ مزدوج: الحاجة إلى زيادة إيرادات الدولة لتمويل النفقات العامة، وفي الوقت نفسه تجنب اتخاذ إجراءات ضريبية قد تعمّق الركود الاقتصادي وتزيد الضغوط المعيشية على المواطنين والقطاع الخاص. فإدارة السياسة المالية في زمن الأزمات لا تُقاس فقط بحجم الإيرادات المحصلة، بل بقدرتها على حماية النشاط الاقتصادي والحفاظ على القدرة التنافسية للاقتصاد.
لقد أدت الحرب الإقليمية إلى اضطراب سلاسل الإمداد العالمية، وارتفاع تكلفة التأمين البحري والشحن والنقل، كما ساهمت المخاطر الجيوسياسية في تقلب أسعار الطاقة، وهي عوامل انعكست مباشرة على الاقتصادات المستوردة للطاقة والسلع، ومن بينها لبنان. وإلى جانب ذلك، جاء استمرار أسعار الفائدة المرتفعة عالمياً نتيجة السياسات النقدية المتشددة لمكافحة التضخم، ليزيد تكلفة التمويل على الدول المدينة والشركات، ويحدّ من تدفق الاستثمارات نحو الاقتصادات الهشة. وتبرز خصوصية الحالة اللبنانية في اعتمادها الكبير على الاستيراد. فلبنان يستورد سنوياً ما تراوح قيمته بين 16 و20 مليار دولار من السلع، تشمل المحروقات، والمواد الغذائية، والأدوية، والمواد الأولية للصناعة، والآلات، ومستلزمات الإنتاج. وهذا يعني أن أية زيادة في الرسوم الجمركية أو الضرائب على هذه الواردات ستنعكس سريعاً على الأسعار المحلية، لأن الاقتصاد اللبناني لا يملك قاعدة إنتاجية كافية لتعويض ارتفاع تكلفة الاستيراد.
من هنا، تبدو الحاجة ملحة إلى التمييز بين الضرائب التي تستهدف السلع الكمالية وتلك التي تطاول السلع الأساسية أو مدخلات الإنتاج. فالضرائب على المواد الغذائية الأساسية، والأدوية، والمحروقات المستخدمة في الإنتاج، والمواد الأولية الصناعية، لا تؤدي إلى رفع الأسعار فحسب، بل ترفع أيضاً تكلفة الإنتاج الوطني، وتضعف القدرة الشرائية، وتقلص الاستهلاك والاستثمار في آن واحد. ويزداد هذا الأمر أهمية إذا أخذنا في الاعتبار الدور الذي يمكن أن يلعبه لبنان كمركز تجاري ولوجستي في المنطقة. فرغم الأزمة المالية، لا تزال شركات لبنانية عديدة تعتمد على استيراد مواد أولية أو بضائع لإعادة توضيبها أو تصنيعها أو إعادة تصديرها إلى الأسواق العربية والأفريقية. وهذه الأنشطة تؤمن تدفقات من العملات الأجنبية، وتنشّط المرافئ، وقطاع النقل، والخدمات اللوجستية، وتوفر آلاف فرص العمل. لذلك، فإن فرض ضرائب إضافية على السلع المخصصة لإعادة التصدير أو الداخلة في العمليات الصناعية قد يضعف تنافسية لبنان مقارنة بالمراكز التجارية الإقليمية. ومن الناحية الاقتصادية، فإن توسيع الوعاء الضريبي لا يعني بالضرورة رفع معدلات الضرائب. فهناك بدائل أكثر استدامة تتمثل في مكافحة التهرب الضريبي والجمركي، وتعزيز الرقمنة في الإدارة الضريبية، وتحسين كفاءة التحصيل، وإقفال مزاريب الإهدار، وتوحيد المعايير الضريبية بما يحقق العدالة بين المكلفين. كما أن تحفيز النمو الاقتصادي يؤدي بمرور الوقت إلى زيادة الإيرادات الضريبية بصورة طبيعية. لقد أظهرت تجارب العديد من الدول خلال أوقات الأزمات والحروب أن الحفاظ على انسيابية التجارة، وحماية مدخلات الإنتاج، وتخفيف الأعباء عن القطاعات المنتجة، تحقق نتائج أفضل من اللجوء إلى ضرائب واسعة قد تؤدي إلى ركود تضخمي.
إن لبنان اليوم بحاجة إلى سياسة مالية متوازنة، تراعي خصوصية المرحلة، وتحمي السلع الأساسية والمواد الأولية والأنشطة المرتبطة بالإنتاج وإعادة التصدير، لأنها تشكل ركيزة أساسية لتحريك عجلة الاقتصاد وجذب العملات الأجنبية. فالإصلاح المالي الحقيقي لا يتحقق بزيادة الضرائب وحدها، بل بإعادة بناء الثقة، وتحفيز الاستثمار، وتشجيع التجارة، وتوسيع القاعدة الضريبية من خلال نمو الاقتصاد، لا من خلال زيادة الأعباء على اقتصاد يواجه أصلاً تحديات استثنائية
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
نبض