إجابات كارثية عن أسئلة عادية
نهلة كدر رحال – حمص سوريا
سئل فيلسوف معاصر ومشهور: من هو إله العصر الحالي؟ فأجاب دون تردد: النت؛ فله يؤدي معظم الناس ما لا يؤدونه لغيره حيث يقضون معه أغلب أوقاتهم وهم يقرؤون في صفحاته، ويتأملون في صوره ومقاطعه، ويتواصلون مع المؤمنين بتأثيره، بل ويكرّسون له قدراتهم وإبداعاتهم لقناعاتهم الراسخة بمصادر الرزق التي يوفرها بلا تعب ولا حاجة إلى الخضوع لتعليمات المسؤولين عنهم او قرارات مالكي الأماكن التي يمكن أن يعملوا بها؛ هذا إن توفرت فرص العمل. وهم لا يتورعون عن التعبير له عن أخصّ همومهم وأعمق مشاعرهم؛ والعجب كلّ العجب من حماسهم في تقديم أطفالهم إليه بعد ترويضهم مع حيواناتهم أو بدونها على تصوير مقاطع تحصد أكبر عدد من الإجابات التي تتحول في ما بعد إلى دولارات، وإن كان على حساب تشويه طفولتهم وتعكير براءتهم. ثم سكت الفيلسوف ونظر إلى سائله قائلاً: فهل اقتنعت أن إله العصر الحالي هو النت؟ أليس هو من يسيطر على عقول البشر وقلوبهم وأنظارهم؟ أليس هو محور آمالهم وآلامهم يطيعونه بدقة لتحقيق الأولى والتخلص من الثانية؟
وعندها سأله وبلهفة: ومن هو شيطان العصر الحالي؟ فابتسم الفيلسوف وأجابه بسخرية حزينة: لو تأملت إجاباتي السابقة وتساؤلاتي بعدها لاكتشفت أنه... النت، لأنه مسخ الإنسان وجعله يقطع صلته بالطبيعة وبأخيه الإنسان، كما سعى إلى تجريد ذلك الإنسان من ذكائه الطبيعي وإنسانيته الفطرية حين جذبه إلى عالم افتراضي وأقنعه بأنه العالم الذي يجب أن يعيش فيه. وقبل أن يتابع قاطعه السائل بانفعال: ألا تبالغ في كلامك؟ فضحك الفيلسوف وأجابه بثقة وتحدّ: حاول أن تجد إنساناً يعيش لحظة فرح أو حزن ولا يحرص على توثيقها لعرضها وحصد الإعجابات والتعليقات عليها، بل حاول أن تجد إنسانا آخر لا يعتمد على النت في معرفة الأخبار ولا يتأثر بما يعرضه عليه الأشرار قبل الأخيار. ثم توقف عن الكلام مستدركاً: آه، قد تجد لكنهم أصبحوا قلّة قليلة تعيش اللحظة وتتوثق من صدق ما تراه. ثم تابع بلهجة المنتصر: ألا ترى معي أن الإنسان قد أصبح قادراً على التأقلم مع فقدان الأشياء المادية والمعنوية إلا النت، لأنه – للأسف - قد تحول إلى آلة مبرمجة، والهاتف هو الجهاز الذي يمنحها المعلومات ويوجهها في السلوكيات. وحين انتهى شكره السائل، وابتعد عنه، والأسئلة تتدافع في رأسه؟ أكانت إجابات ذلك الفيلسوف منطقية؟ ولماذا استعبد النت الإنسان؟ وأين النخب القوية التي تحرص على بناء أضخم الصروح الدينية والفكرية وتدير أقوى المشاريع الإنسانية؟ ولماذا تعجز عن مواجهة المشاريع الإلكترونية؟ هل هناك أمل في نهضة بشرية حقيقية تعيد الشعوب إلى محاولة تحقيق مجتمعات حقيقية تحقق فيها إنجازات حقيقية زراعية وصناعية تحولها إلى جنات حقيقية ينعم فيها الإنسان بالكرامة والرفاهية والأمان؟
الأكثر قراءة
نبض