الحِواريُّ الذي بلغَ ثلاثاً بعدَ المئة

منبر 06-07-2026 | 14:37

الحِواريُّ الذي بلغَ ثلاثاً بعدَ المئة

في عيدهِ، يَفتَحُ المطران جورج خضر باباً جديداً لسيرةٍ ما زالت تُكتَب على مهل وتتقدّم فيها الحكمة على الجسد
الحِواريُّ الذي بلغَ ثلاثاً بعدَ المئة
المطران جورج خضر
Smaller Bigger

عبّاس الحلبي، وزير التربية والتعليم العالي سابقاً

يُخَلِّدُ التاريخ مَولِدَ الكبار لأنّهم يجدِّدونَ الزّمن بأفكارهم الخصبة التي لا تشيخ. وفي عيدهِ، يَفتَحُ المطران جورج خضر باباً جديداً لسيرةٍ ما زالت تُكتَب على مهل وتتقدّم فيها الحكمة على الجسد. 

 

عرفتهُ أُسقفاً للجبل وربطتني به صداقةٌ شخصيّة ما زالت إلى حينه راسخةً في الذاكرة والوجدان، كأنها لم تُغادر لحظة الحضور الأولى. إنّه من تلك البقيّة الباقية التي تفتح في داخلكَ، بعد لقائها، نافذةً على آفاقِ المعنى والوجود.

 

لن أنسى الحادثة الطريفة، حين التقيته في روما خلال جلسات السينودوس من أجل لبنان، وقد شعرتُ بألمٍ في الرّأس، وتوجّهتُ إلى العيادة الطبيّة، فالتقيتُ سيادتَهُ خارجاً بدوره منها، ليبادرني فوراً مستفسراً عن سبب قدومي إليها. وبعد سؤالٍ وجواب، أردف قائلًا: "أنا كمان جيت آخُد ضغطي. هَودي الكاتوليك بيطَلّعوا الضّغط". وهكذا، حين يُستعاد هذا المشهد، لا يُستعاد بوصفه ذكرى شخصيّة فحسب، بل كعلامةٍ على منهاج حياةٍ لا تفصل بين العمق والفكاهة.

 

أمّا الاحتفاء بهذا الرّجُل فهو احتفاءٌ بكبيرٍ من أنطاكيّةَ العظمى وبعِملاقٍ من عمالقة العقلِ والرّوح في هذا الشرق المُتعَب. عرفَهُ الجميع منذ عقودٍ طويلة، عقلاً منفتحاً في زمن العصبيّات، ورجلًا لم يَخَف من الحوار يوم كان كثيرون يرون فيه ضعفاً أو تنازلاً، فدافعَ عن رؤية البابا الحواريّة مطلعَ الستّينيّات، منبِّهاً بأنْ: "ليسَ في موقف بولس السّادس ميوعةٌ عقائديّة".

 

ظلَّ وفيّاً لكنيسته ولاستقامةِ لاهوتِها وتراثِها الأنطاكيّ والعربيّ، لكنّه لم يحبس نفسه فيها. فتح نوافذه على فُسَيفساء الأديان، وصار مرجعاً أخلاقيّاً وثقافيّاً مُنادياً بأنَّ "المحاورةَ ليست معايشةً وحسب بل محاولةُ تفاهُمٍ ورحابة تجعل أحدنا وكأنّه الآخر وهو لم يفقد هُويّته الإيمانيّة".

 

شاءت الأقدار أن يعيش المطران أكثر من قرن، وأن يُعاصِرَ انطلاقةَ "لبنان الكبير" ونشأة الدستور والاستقلال والحروب والاحتلالات والانقسامات التي عصفت وتعصف بالوطن الصّغير، فأيقن في هذه كلِّها أنّ لبنان "لم يُكتب له أن يموت ولم يُكتب له أن يعيش"، ومضى منادياً بالمواطنة وبالعيش معًا وبكرامة الإنسان التي تسبق كلّ انتماء وكلّ نزعةٍ طائفيّة.

 

واليوم في ذكرى مولِدِه، نَحتَفِلُ بحِواريٍّ حمل الكلمة وسارَ بها بين الناس بسيف المحبّة وسلطان الفكر وبلاغةِ الأسلوب. نحتفل برَجُلٍ أرهقت السنوات جسمه، ولكنّها لم تُضنِ عقله المسكوبَ كلماتٍ مضيئة في افتتاحيّات "النهار" وفي مئاتِ المقالات والمؤلّفات والمقابلات والندوات. أمّا هذه الومضات النورانيّة التي ملأت الصفحات فستكونُ يومًا ما، بوصلةً تُعيدُ الأجيال إلى تلك الأصالة الأخلاقيّة التي همّشتها الثورات الرقميّة والذّكاء المصطنع.


لذلك، حين يبلغ الحواريُّ عامه الثالث بعد المئة، لا يبدو كأنّه انتصر على الزمن بقَدْرِ ما صالحه، لأنَّ عُمر جورج خضر يُقاس بما تركه من إشعاعٍ  في العقول ومن أثَرٍ في القلوب. وفي زمنٍ تتكاثر فيه الأصوات وتندر فيه الكلمة، يبقى شاهدًا على أنّ الفكر هو صلاة الإنسانيّة المجروحة، وأنّ الحوار ليس ترفًا بل سبيل خلاص.


سيّدنا ومولانا جاورجيوس المُوَقَّر، سيأتي يومٌ تخلَعُ الروحُ قميصَها، لكنّكَ ستبقى حاضرًا في عباراتكَ، وفي تلك البذور التي غرستها في أرض الشرق العتيق. وحين يفتّش أبناء الأجيال المقبلة عن معنى الإنسان وسط ضجيج الآلات وزيف الشاشات وتغيّر المجتمعات، سيجدون في أوراقِكَ التي دبّجتها ما وجدناه نحن في حضوركَ: شيخًا جليلًا يتجدّدُ كالنِّسرِ صباؤهُ.

 

فلسنينَ عديدة يا سيِّد... لسنينَ عديدة تُواصل فيها تذكيرنا، بِصَمتِكَ أو كلامِكَ، بأنّ الإنسان يبقى شابًّا ما دام عقله مفتوحًا على الحقِّ والخير والجمال، وأنّنا سنرجعُ يومًا إلى دنيانا لأنّ حضارة الصّورة والمادّة لن تُسعدنا إلى الأبد.

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 7/4/2026 11:17:00 PM
حمل الجنسيتين السورية واللبنانية ومتورط في جرائم مخدرات مرتبطة بالإرهاب.
سياسة 7/4/2026 3:04:00 PM

بعد 20 يوماً على انقطاع الاتصال بالشبان الأربعة قرب بلدتي برعشيت ومجدل سلم، نجحت دورية من الجيش اللبناني في العثور على جثثهم في وادي السلوقي، وبينهم الجريح محمد علي حسن.

حول العالم 7/4/2026 10:27:00 AM
يُعد الهيمبا من أكثر القبائل وداً في أفريقيا، لكنهم يرفضون أي ممارسات قد تهدد قيمهم وتقاليدهم.

فن ومشاهير 7/3/2026 11:00:00 AM
كشفت النجمة لبلبة في برنامج باب الخلق مع محمود سعد عن الأسباب الحقيقية وراء عدم زواجها مجدداً بعد الفنان حسن يوسف، وعلاقة النجم الكبير عادل إمام بالأمر.