حين يرفض المال العودة إلى النظام

منبر 06-07-2026 | 13:44

حين يرفض المال العودة إلى النظام

لا يكفي أن نسأل كيف نعيد الأموال إلى المصارف. السؤال الأهم هو: لماذا سيعيدها الناس أصلاً؟
حين يرفض المال العودة إلى النظام
تعبيرية
Smaller Bigger

مصطفى عبدالله الدح - رئيس قسم المالية والمحاسبة في الجامعة اللبنانية الأميركية

 

 

 

لا يكفي أن نسأل كيف نعيد الأموال إلى المصارف. السؤال الأهم هو: لماذا سيعيدها الناس أصلاً؟
في لبنان، يدور النقاش المالي حول الودائع، وسعر الصرف، والذهب، والكاش، وصندوق النقد، وإعادة هيكلة المصارف. هذه كلها ملفات أساسية، لكنها تعود في النهاية إلى سؤال أعمق: هل بقي لدى اللبناني سبب عقلاني ليضع ماله داخل النظام المالي؟
الأزمة لم تُخرج المال من المصارف فقط. فعلت ما هو أخطر: جعلت المال يتردد في العودة إلى أي مؤسسة. فليس كل المال غادر لبنان. جزء كبير منه بقي، لكنه غيّر شكله ومكانه وسلوكه. صار في البيوت، وفي الخزنات، وفي الذهب، وفي العقارات، وفي حسابات خارجية، وفي تحويلات صغيرة، وفي دولارات ورقية، وربما أيضاً في أدوات رقمية. المال لم يختفِ، لكنه أصبح يفضّل أن يبقى قريباً من صاحبه، بعيداً عن أي وعد لا يثق به. وهذا أخطر من نقص السيولة.
في النظام المالي السليم، لا تأتي قيمة المال من الورقة أو الرقم فقط، بل من القدرة على استخدامه. المودع يثق أن رصيده متاح. المستثمر يثق أن القواعد واضحة. صاحب المؤسسة يثق أن الدفع والتحويل والائتمان ليست وعوداً معلّقة. وعندما تنهار هذه الثقة، يتغير معنى المال نفسه: يصبح المال المتاح أكثر قيمة من المال الموعود.
هذا ما حدث في لبنان. عندما اكتشف المودع أن "الدولار في المصرف" ليس مثل الدولار في اليد، لم يخسر فقط القدرة على السحب. خسر الثقة باللغة المالية نفسها. كلمة "وديعة" لم تعد تعني ما كانت تعنيه. وكلمة "دولار" أصبحت تحتاج إلى أسئلة إضافية: هل هو متاح؟ هل يمكن تحويله؟ هل يمكن سحبه؟ متى؟ وبأي قيمة؟ هذه ليست مسألة لغوية. هذه هي خلاصة الأزمة: عندما تنهار الثقة، يصبح الوصول إلى المال جزءاً من قيمته.
يمكن تسمية ذلك "خصم الثقة". كلما احتاج المال إلى مؤسسة أو وعد أو خطة كي يتحول إلى قيمة قابلة للاستخدام، وضع الناس عليه خصماً أكبر. لذلك لا يبدأ التعافي فقط من تثبيت سعر الصرف أو إعادة رسملة المصارف. يبدأ عندما يصبح المال داخل النظام، في نظر الناس، قريباً من المال الموجود في اليد: واضحاً، متاحاً، ومحميّاً بقواعد مفهومة.
صندوق النقد شدّد على أن إعادة تأهيل القطاع المصرفي ضرورية لاستعادة الثقة، والابتعاد عن اقتصاد الكاش، وإعادة إطلاق الائتمان للقطاع الخاص. والبنك الدولي أشار إلى أن الأزمة المالية غير المحلولة ما زالت تعيق التدفقات المالية الكبيرة والاستثمار الخاص، وأن الاقتصاد اللبناني تعرّض لانكماش كبير منذ 2019. معنى ذلك بسيط: لا يمكن بناء اقتصاد حديث إذا بقي المال يرفض الدخول إلى المؤسسات.
الكاش ساعد اللبنانيين على النجاة، ولا يجب إنكار ذلك. ساعد العائلات على الشراء، والمؤسسات على الدفع، والمغتربين على دعم أهلهم، وساعد الناس على الاحتفاظ بجزء من قيمة أموالهم بعد انهيار الليرة وارتفاع الأسعار. لكنه ليس نظاماً مالياً. هو دفاع فردي ضد نظام لم يعد موثوقاً.
وعندما يصبح كل شخص مصرفه الخاص، وحارسه الخاص، ودولته الصغيرة، يتوقف الاقتصاد عن العمل كاقتصاد حديث. يصبح مجموعة ترتيبات خاصة: كل شخص يحمي نفسه، كل مؤسسة تبحث عن مخرجها، وكل صفقة تحتاج إلى ضماناتها. وهذا مكلف، وبطيء، وغير عادل. لذلك، الخطأ هو أن نتصور أن الحل يبدأ بدعوة الناس إلى العودة إلى المصارف. الناس لا تعود إلى نظام خذلها لأن أحداً طلب منها ذلك. تعود فقط عندما يصبح لديها سبب جديد للتصديق.
بدل أن نسأل: كيف نُخرج الناس من الكاش؟ يجب أن نسأل: ما الذي يجعل الكاش أقل جاذبية من النظام؟ وبدل أن نسأل: كيف نستعيد الودائع؟ يجب أن نسأل: كيف نستعيد معنى الوديعة؟ وبدل أن نسأل: كيف نجذب الرساميل؟ يجب أن نسأل: ما الذي يجعل رأس المال يثق بأن دخوله إلى لبنان لن يكون فخاً جديداً؟
إذا أُعيدت هيكلة المصارف من دون كشف واضح للخسائر، لن تعود الثقة. وإذا لم يعرف الناس من دفع، ومن استفاد، ومن تحمّل المسؤولية، لن تعود الثقة. وإذا بقيت حوكمة المصارف كما كانت، فلن يصدّق الناس أن النتيجة ستكون مختلفة. وإذا شعر المودع أن المحظيين خرجوا بأقل كلفة بينما دفع المواطن العادي الثمن، فلن يضع ماله في النظام من جديد بسهولة.
وينطبق الأمر نفسه على النقاش في موضوع الذهب. ارتفاع سعره يجعل استخدام جزء منه فكرة مغرية لدى البعض، فيما يراه آخرون أحد أكبر الأصول الاحتياطية الوطنية التي يجب عدم المساس بها بسهولة. لكن السؤال الأهم ليس البيع أو عدمه فقط. السؤال هو: من يملك الثقة والقدرة على إدارة أي عائدات محتملة؟ وبأي قواعد؟ وبأي رقابة؟ ولأي هدف واضح؟
الأمر لا يختلف كثيراً مع العملات المستقرة والدولارات الرقمية. قد تساعد في بعض التحويلات والمدفوعات إذا نُظّمت جيداً، لكنها لا تعوّض إصلاح المصارف. ومن دون قواعد واضحة، قد تنقل الاقتصاد غير الرسمي من الكاش إلى المحافظ الرقمية، لا أكثر.
أما الاتفاق مع صندوق النقد، فهو مهم، لكنه ليس بديلاً من تغيير طريقة إدارة المال والمخاطر. لا قيمة كبيرة لبرنامج يعطي أرقاماً جديدة لنظام قديم. المطلوب ليس فقط سدّ فجوة مالية، بل سدّ فجوة الثقة بين الناس والمؤسسات.
لذلك، أي خطة تعافٍ يجب أن تُقاس بسؤال واحد: هل تجعل المال يثق بالعودة إلى النظام؟
إذا كانت الخطة غامضة، أو أخفت الخسائر، أو حمت المحظيين، أو استخدمت المال العام أو الذهب من دون قواعد صارمة، فهي لا تعيد الثقة بل تؤجل المشكلة. أما إذا كشفت الأرقام، ووزعت الخسائر بوضوح، وحمت صغار المودعين ضمن خطة مفهومة، وغيّرت قواعد إدارة المصارف، فهي لا تعالج الميزانيات فقط. هي تعالج السبب الذي جعل الناس يهربون من النظام أصلاً.
لبنان لا ينقصه المال فقط. ينقصه سبب مقنع يجعل المال يعود. فالمال لا يعود إلى المؤسسات لأنه يحبها. يعود عندما يصبح البقاء خارجها أقل فائدة من الدخول إليها. ويعود عندما يشعر الناس أن النظام لا يطلب منهم الثقة كتنازل، بل يستحقها من خلال قواعد واضحة، ومحاسبة جدية، وسلوك مختلف .هنا يبدأ التعافي الحقيقي: لا عندما تتحسن الأرقام وحدها، بل عندما يصبح منطقياً للناس أن يضعوا أموالهم داخل النظام بدلاً من أن يحمونها منه.
فالاقتصاد لا يقوم فقط على حجم المال الموجود في البلد، بل على قدرة المؤسسات على تحويل هذا المال إلى ودائع، وائتمان، واستثمار، ونشاط منتج. وهذه القدرة لا تعود بالشعارات، بل بقواعد واضحة، وخسائر معلنة، ومحاسبة جدية، ومؤسسات لا تطلب الثقة قبل أن تثبت أنها تستحقها.
إلى أن يحدث ذلك، سيبقى جزء كبير من المال في لبنان، لكنه سيبقى خارج نظامه المالي. وهذا يعني أن الأزمة لم تعد فقط أزمة ودائع أو مصارف أو سيولة. أصبحت أزمة ثقة في المكان الذي يفترض أن يحمي المال ويحوّله إلى استثمار ونمو. وما لم يستعد النظام هذه الثقة، سيبقى المال موجوداً في البلد، لكنه سيبقى عاجزاً عن بناء اقتصاد حقيقي.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 7/4/2026 11:17:00 PM
حمل الجنسيتين السورية واللبنانية ومتورط في جرائم مخدرات مرتبطة بالإرهاب.
سياسة 7/4/2026 3:04:00 PM

بعد 20 يوماً على انقطاع الاتصال بالشبان الأربعة قرب بلدتي برعشيت ومجدل سلم، نجحت دورية من الجيش اللبناني في العثور على جثثهم في وادي السلوقي، وبينهم الجريح محمد علي حسن.

حول العالم 7/4/2026 10:27:00 AM
يُعد الهيمبا من أكثر القبائل وداً في أفريقيا، لكنهم يرفضون أي ممارسات قد تهدد قيمهم وتقاليدهم.

فن ومشاهير 7/3/2026 11:00:00 AM
كشفت النجمة لبلبة في برنامج باب الخلق مع محمود سعد عن الأسباب الحقيقية وراء عدم زواجها مجدداً بعد الفنان حسن يوسف، وعلاقة النجم الكبير عادل إمام بالأمر.