هرمز يبتلع الأذرع

منبر 06-07-2026 | 09:58

هرمز يبتلع الأذرع

تتسارع المتغيرات في الشرق الأوسط لتعيد رسم الخرائط الجيوسياسية وفق قواعد اشتباك جديدة تماماً.
هرمز يبتلع الأذرع
مضيق هرمز (أرشفية).
Smaller Bigger

محمود الخراط

 

 

تتسارع المتغيرات في الشرق الأوسط لتعيد رسم الخرائط الجيوسياسية وفق قواعد اشتباك جديدة تماماً. فبينما يوقع لبنان وإسرائيل على الاتفاق الإطاري في واشنطن لترسيم واقعٍ أمني جديد، تتجه الأنظار نحو العاصمة الإيرانية طهران، التي تبدو اليوم مستعدة لأكبر عملية إعادة تموضع تكتيكي في تاريخها الحديث. إن القراءة المتعمقة لملف العلاقات الإيرانية-الأميركية، بالتزامن مع الانكسار العسكري الذي شهده لبنان، تقود إلى استنتاج استراتيجي واحد: لقد بات "حزب الله" ذراعاً تكلف طهران أكثر مما تفيدها، بعد أن ابتلع مضيق هرمز وهج الترسانات الفرعية.
تاريخياً، رعت إيران "حزب الله" مدى أربعة عقود ليكون خط دفاعها المتقدم ومنصتها الصاروخية على حدود إسرائيل الشمالية. لكن هذا المفهوم الدفاعي سقط تكنولوجياً وعسكرياً؛ فأدوات الردع المباشر التي أثبتت إيران قدرتها عليها عبر الهجمات الصاروخية العابرة للحدود والمسيرات المنطلقة من جغرافيتها السيادية، أكدت للغرب أن طهران قادرة على فرض قواعد اشتباك مباشرة مع القوى الكبرى من دون الحاجة للاختباء خلف وكلاء إقليميين.
من جهة أخرى، يظل مضيق هرمز هو "الورقة الرابحة والوحيدة الكافية" للنظام الإيراني. يمر عبر هذا المضيق نحو 20% من استهلاك النفط العالمي؛ وتهديده القائم كفيل هزّ الأسواق الدولية ورفع أسعار الطاقة العالمية في دقائق، وهو ما يمنح طهران قوة ضغط سياسية واقتصادية تفوق آلاف المرات فاعلية صواريخ "حزب الله"، التي باتت تواجه مظلات دفاع جوي مطورة وغطاءً عسكرياً أميركياً مباشراً لإسرائيل، مما أفقدها ميزتها التفاضلية وجعلها أداة استنزاف مكشوفة.
تشير الحسابات والأرقام الجارية في عام 2026 إلى أن إعادة إحياء مشروع "حزب الله" عسكرياً في لبنان تمثل عقبة مالية هائلة وانتحاراً اقتصادياً للخزينة الإيرانية المنهكة أصلاً بفعل العقوبات، وذلك لعوامل: عدة
فاتورة إعادة الإعمار والتعويضات: خلّف الدمار في الجنوب، والبقاع، والضاحية الجنوبية خسائر مباشرة تُقدّر بـ 15 إلى 20 مليار دولار. تاريخياً، موّلت طهران التعويضات النقدية للحزب (مثل مشروع "وعد" بعد حرب 2006)، لكن حجم الكارثة الحالية يتجاوز السقف المالي الإيراني بمراحل.
تكلفة إعادة التسليح: بعد فقدان الحزب  70% إلى 80% من ترسانته الصاروخية، فإن إعادة بناء هذه القوة (صواريخ دقيقة، مسيرات، دفاع جوي) تتطلب ميزانية طارئة لا تقل عن 5 إلى 7 مليارات دولار.
الالتزامات التشغيلية والاجتماعية: وضعت تصفية جيل كامل من المقاتلين والقادة طهران أمام التزام مالي واجتماعي ضخم طويل الأمد، لتأمين مخصصات عوائل آلاف الشهداء والجرحى ورواتب العناصر الحاليين، وهي تكلفة ثابتة تُقدر بـ 600 إلى 800 مليون دولار سنوياً.
مأزق خطوط الإمداد: مع الرقابة العسكرية الصارمة على الحدود السورية-اللبنانية والمطارات والموانئ، تضاعفت تكلفة تهريب السلاح والأموال لوجستياً بمقدار 3 مرات بسبب نسب المخاطرة العالية والالتفاف الجغرافي.
لم تعد الفائدة الردعية لـ"حزب الله" تبرر هذه التكلفة الباهظة بعد الانهيار القيادي والخلل الاستخباري الساحق الذي تعرض له. تصفية إسرائيل قادة الصف الأول والثاني والثالث بكاملهم كشفت عن اختراقٍ استخباري هيكلي عميق جعل الحزب مكشوفاً أمنياً، مما يعني أن أي محاولة إيرانية لإعادة بنائه ستكون محفوفة بمخاطر عالية وجدوى معدومة.
علاوة على ذلك، سقطت عملياً معادلة "وحدة الساحات"؛ إذ أظهرت مجريات الحرب حدود الدعم المتبادل، بحيث لم تنجح الساحات الأخرى في منع الهزيمة العسكرية الساحقة عن الساحة اللبنانية، مما أثبت لعقل التخطيط في طهران أن الشبكة الإقليمية لم تعد فعالة لحماية أطرافها أو حماية المركز عند اشتعال المواجهة الحقيقية.
داخلياً، عكس توقيع الدولة اللبنانية على الاتفاق الإطاري في واشنطن رغبة رسمية وشعبية عارمة بفصل مسار لبنان عن المحور الإيراني، والتمسك بالسيادة وانتشار الجيش اللبناني. هذا التغير الجذري يجعل من إصرار إيران على بقاء سلاح الحزب بمثابة صدام مباشر مع البيئة المحلية، مما يحول الحزب إلى عبءٍ سياسي يستنزف حلفاء طهران في بيروت ويزيد من عزلتهم.
في المقابل، فتحت التفاهمات الإيرانية-الأميركية الأخيرة لعام 2026 باباً اقتصادياً حيوياً لطهران؛ إذ سُمح لها برفع صادراتها النفطية لتتجاوز 1.8 مليون برميل يومياً مع تدفق الأموال المجمدة. الحفاظ على هذا الشريان الحيوي يتطلب استقراراً تاماً، والتخلي التدريجي عن الساحات الفرعية كـ"حزب الله" في لبنان يصبح "ثمناً منطقياً وبراغماتياً" تقبضه طهران لإنقاذ نظامها من الداخل، وفك عزلتها الدولية، والتحول إلى لاعب معترف بنفوذه رسمياً في مياه الخليج ومضيق هرمز.
لم يعد "حزب الله" بالنسبة لإيران ذلك "الأصل الاستراتيجي المربح"، بل تحول بفعل الضربات القاسية والتحولات الاقتصادية إلى أداة تكلف أكثر مما تفيد. لقد اختارت طهران حماية "القلب" على حساب "الأطراف"، وباتت تفضل لغة الأرقام، والنفط، والسيطرة المباشرة على المضايق الدولية، على لغة الحروب بالوكالة التي استنزفت قدراتها لسنوات. باختصار: في ميزان المصالح العليا الإيرانية، هرمز اليوم يبتلع الأذرع.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 7/4/2026 11:17:00 PM
حمل الجنسيتين السورية واللبنانية ومتورط في جرائم مخدرات مرتبطة بالإرهاب.
سياسة 7/4/2026 3:04:00 PM

بعد 20 يوماً على انقطاع الاتصال بالشبان الأربعة قرب بلدتي برعشيت ومجدل سلم، نجحت دورية من الجيش اللبناني في العثور على جثثهم في وادي السلوقي، وبينهم الجريح محمد علي حسن.

حول العالم 7/4/2026 10:27:00 AM
يُعد الهيمبا من أكثر القبائل وداً في أفريقيا، لكنهم يرفضون أي ممارسات قد تهدد قيمهم وتقاليدهم.

فن ومشاهير 7/3/2026 11:00:00 AM
كشفت النجمة لبلبة في برنامج باب الخلق مع محمود سعد عن الأسباب الحقيقية وراء عدم زواجها مجدداً بعد الفنان حسن يوسف، وعلاقة النجم الكبير عادل إمام بالأمر.