لا نجاة فرادى: قراءة في ضمير مدينة صور
صور، تلك المدينة التي كانت يوماً فكرة، لا تزال تنتظر من يعيد قراءتها بعيون الحاضر — لا بعيون تتوق إلى شعار، بل بعيون تبحث عن حلّ.
فاتن زيّات
ثمة لحظات في تاريخ المدن تبدو للوهلة الأولى عادية، بل تافهة، غير أنها تنطوي على فلسفة كاملة وتختزل رؤية عالم بأسره. من هذا القبيل تلك اللحظة التي جلس فيها السيد موسى الصدر في ستينيات القرن الماضي يتناول البوظة عند العم “أنتيبا” في صور. لم يكن اختياره لذلك المكان مصادفة بريئة، ولم يكن ضرباً من الزهد الاجتماعي الرومانسي؛ بل كان، على الأرجح، بياناً مضمراً حول طبيعة القيادة، وحول السؤال الجوهري الذي يسكن قلب كل مشروع وطني: من هو الإنسان الذي تُبنى الدولة من أجله؟
الصدر كان رجلاً يفكّر بأدوات عصره، لكنه يعيش بوعي يتخطى حدوده. وما يستوقف المتأمل في تجربته ليس ما أنجزه من مبادرات مؤسسية وحسب، بل الأساس الأنثروبولوجي الذي انبنت عليه تلك المبادرات. فقد آمن إيماناً عملياً — لا خطابياً — بأن الثروة الحقيقية لمدينة كصور ليست في عمقها التاريخي الفينيقي، ولا في جمال ساحلها، بل في التنوّع الذي يسكنها؛ وأن هذا التنوع إما أن يُدار بالحكمة فيتحول إلى ثروة حضارية، وإما أن يُهمل فيتفجر إلى فتنة.
غير أن ما يكشفه التاريخ، وما يغفل عنه كثير من التناولات المبسِّطة لتجربة الصدر، هو أن مشروعه لم يكن مشروع رجل دين ينفتح على الآخر من موقع الكرم أو التسامح — وكلاهما مفهومان ينطويان على دونية ضمنية. كان المشروع أعمق من ذلك: كان رهاناً على أن الهوية الجامعة لا تتشكل بإلغاء الخصوصيات، بل بخلق فضاء مشترك تتحاور فيه الخصوصيات دون أن تذوب ودون أن تتصادم. وهذا ما جعل علاقته بالمطران جورج حداد علاقةً استثنائية في تاريخ العمل الأهلي اللبناني؛ إذ لم تكن الشراكة بينهما تحالفاً تكتيكياً بين طرفين يبحثان عن مصالح مشتركة، بل كانت اتفاقاً على رؤية — رؤية مفادها أن الجنوب لن ينجو إلا معاً.
موقف المطران حداد حين وقف إلى جانب الإمام في صومه الشهير بمسجد الصفا لم يكن، من الناحية السياسية، مجرد تضامن مع قضية محددة. كان ذلك الموقف بياناً لاهوتياً وسياسياً في آنٍ واحد: بياناً يقول إن الكنيسة وأتباعها لا يعتبرون الوطن ملكاً لطائفة بعينها، وإن الصمود أمام الحرب الأهلية هو واجب مشترك لا يستأثر به أحد. وبهذا المعنى، كان صيام الصدر وحضور المطران حداد معاً في المسجد لحظةً تأسيسية أكثر منها تضامنية: لحظة تحدّد شرط النجاة.
الشيء ذاته ينطبق على الشراكة مع المطران يوسف الخوري والمطران ميخائيل عساف من قبله. هذه الأسماء ليست مجرد شخصيات تزيينية في لوحة تآخٍ جميلة؛ بل إنها تمثل منظومة تفكير بالغة التعقيد توصّلت إلى نتيجة واحدة، هي أن تثبيت المواطنين في أرضهم — جنوباً وشمالاً، مسلمين ومسيحيين — هو الشرط الأول لأيّ استقرار حقيقي.
ثم تأتي اللحظة الراهنة بكل ثقلها وإشكالياتها.
ما الذي يعنيه أن يظهر خطاب يختزل الوطن في “عاصمة وحارة”، ويطالب بتحييد بقعة جغرافية بعينها، كأن الجنوب وأهله ليسوا شركاء في معادلة النجاة؟ الإجابة السطحية ستقول إن هذا خطاب طائفي أو انعزالي. لكن الإجابة الأعمق أكثر إزعاجاً: هذا الخطاب هو عرَض، لا مرض. إنه يكشف عن فشل عميق في تمثٌّل المعنى الفلسفي لتجربة من سبقوا، وعن غياب صارخ لفهم الجغرافيا السياسية وتاريخها.
فالجنوب، على امتداد تاريخه الحديث، لم يكن يوماً “قضيّة طائفة”؛ كان العمق الاستراتيجي للكيان اللبناني برمّته. حين تتشقق الأرض في الجنوب، تتشقق في الشمال أيضاً، وإن بصمت وتأخر. الحروب التي مرّت على هذه الأرض علّمت درساً واحداً لمن أراد أن يتعلم: لا يوجد أمن خاص، ولا نجاة فردية، ولا “كانتون” آمن في خضم كيان يتداعى. الذين آمنوا يوماً بأن بمقدورهم حماية حيّهم أو طائفتهم أو مدينتهم دون أن يعبؤوا بما يجري حولهم، دفعوا ثمناً فادحاً حين اكتشفوا أن التوهّم بالأمن الفئوي هو بحد ذاته نوع من الانتحار البطيء.
هنا تتجلى الأهمية الفلسفية لجملة الصدر الجوهرية — أو ما يمكن استنتاجه جوهراً من مشروعه كله — إما نجاة جماعية أو هلاك يعمّ الجميع. هذه ليست خطابة بلاغية، ولا مبالغة دينية. إنها وصف دقيق لبنية الأمن في المجتمعات المتنوعة المتشابكة. وقد كشف علم الاجتماع السياسي الحديث ما فهمه الصدر حدساً وممارسةً: أن المجتمعات المتعددة حين تتفكك، لا تتفكك من الأطراف إلى المركز فحسب، بل تتفكك من الداخل، بخيانة المفاهيم وانهيار لغة التواصل المشتركة قبل أن تنهار المباني والمؤسسات.
لهذا السبب تحديداً، كان الصدر يرتقي المنابر الكنسية، وكان المطارنة يعتلون منابر المساجد. لم يكن ذلك استعراضاً أو أداءً للتسامح أمام الكاميرات، بل كان إعادة تعريف جذرية للمنبر ذاته: من فضاء طائفي مغلق إلى فضاء مدني مفتوح. وتلك القفزة المفاهيمية هي التي يفتقر إليها الخطاب الانعزالي المعاصر افتقاراً حاداً.
تبقى صور في قلب هذه المعادلة ليس لأنها مدينة رمزية بامتياز تاريخي فحسب، بل لأنها تحمل في ذاكرتها الجماعية نموذجاً عملياً مختبَراً لما يعنيه العيش المشترك حين يُبنى على وعي لا على خوف. والفارق بين الاثنين هائل: الوحدة المبنيّة على الخوف تتحلل فور زوال التهديد، أو حين يتوهم أحد أطرافها أن بإمكانه النجاة منفرداً. أما الوحدة المبنيّة على وعي بالمصير المشترك، فتصمد حتى في أصعب اللحظات، لأنها تنبع من فهم لا من مشاعر آنية.
أمام هذا الإرث، يجد أبناء الجنوب واللبنانيون جميعاً أنفسهم أمام خيار ذي وجهين لا ثالث لهما: إما أن يتمسكوا بمشروع الوطن الملجأ الذي يتسع لأبنائه جميعاً ويتكامل فيه الجنوب مع بقية الجسد اللبناني، وإما أن يتركوا خطاب الحسابات الضيقة يمضغهم بهدوء حتى لا يبقى ما يستحق الحماية.
وصور، تلك المدينة التي كانت يوماً فكرة، لا تزال تنتظر من يعيد قراءتها بعيون الحاضر — لا بعيون تتوق إلى شعار، بل بعيون تبحث عن حلّ.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
بعد 20 يوماً على انقطاع الاتصال بالشبان الأربعة قرب بلدتي برعشيت ومجدل سلم، نجحت دورية من الجيش اللبناني في العثور على جثثهم في وادي السلوقي، وبينهم الجريح محمد علي حسن.
نبض