الحب غير المشروط... هل نحب الأشخاص كما هم أم كما نريدهم أن يكونوا؟
ملاك وجيه شميطلي
منذ اللحظة الأولى التي نفتح فيها أعيننا على الحياة، تكون العائلة هي دائرتنا الأولى. منها نتعلم الأمان، والثقة، والحدود، ونعرف ما لنا وما علينا. ومن المفترض أن تكون هذه البيئة أول مكان نتذوق فيه معنى الحب غير المشروط؛ الحب الذي لا يرتبط بالنجاح، ولا بالطاعة، ولا بتحقيق توقعات الآخرين، بل يقوم على التقبّل والدعم والاحتواء.
لكن الحب غير المشروط لا يقتصر على الأهل فقط، بل يجب أن يكون أساس كل علاقة صحية، سواء كانت بين شريكين، أو بين إخوة، أو بين أصدقاء. فالحب الحقيقي لا يطلب منك أن تغيّر شخصيتك، ولا أن تتنازل عن مبادئك، ولا أن تعيش وفق معايير شخص آخر حتى تستحق أن تُحَب.
في المقابل، هناك الحب المشروط، وهو الحب الذي يرتبط دائماً بشروط خفية أو معلنة. أن يحبك الآخر طالما أنك توافقه، وتتصرف كما يريد، ولا تقول لا، ولا تضع حدوداً، ولا تختلف معه. وعندما تبدأ بالتعبير عن نفسك، أو تحاول حماية خصوصيتك، يتحول الحب إلى لوم، وعتاب، وتأنيب ضمير،
وكأنك فقدت حقك في أن تكون نفسك.
الحب ليس مشروعاً لتغيير الأشخاص، بل مساحة نتقبل فيها اختلافاتهم. نعم، من الطبيعي أن نحاول فهم من نحب، وأن نراعي احتياجاتهم، لكن ليس على حساب صحتنا النفسية أو كرامتنا. فالعلاقة السليمة تقوم على الاحترام المتبادل، لا على السيطرة أو فرض الرأي.
ومن الأخطاء التي يقع فيها الكثير من العلاقات، تحويل الحب إلى ميزان حسابات. كم أعطيت؟ وكم أخذت؟ سواء بين الأهل والأبناء، أو بين الشريكين. فالأهل مسؤولون عن أولادهم، وهذه المسؤولية لا تُستخدم لاحقاً ورقة ضغط. وكذلك الشريك، لا يمنّ بعطائه ولا ينتظر مقابلاً لكل موقف جميل، لأن الحب الحقيقي يُعطى من القلب، لا من باب المقايضة.
كما أن من حق كل إنسان أن يحتفظ بمساحة خاصة به. فالخصوصية ليست دليلاً على قلة الحب أو انعدام الثقة، بل هي حق طبيعي لأي علاقة ناضجة. ليس مطلوباً أن تكون حياتنا كتاباً مفتوحاً حتى يصدق الآخرون أننا نحبهم، فالعلاقة الصحية تقوم على الثقة، لا على المراقبة.
وهنا تظهر أهمية الوعي، ليس الوعي العاطفي فقط، بل الوعي الاجتماعي أيضاً. فاختيار الأشخاص الذين نسمح لهم بالدخول إلى حياتنا يجب أن يكون مبنياً على احترامهم لحدودنا، وتقبلهم لشخصياتنا، وقدرتهم على محبتنا كما نحن، لا كما يريدوننا أن نكون.
في النهاية، الحب غير المشروط لا يعني غياب المسؤولية أو المحاسبة، بل يعني أن يبقى الاحترام والتقبل أساس العلاقة مهما اختلفنا. أما الحب المشروط، فيجعل الإنسان يعيش خائفاً من أن يكون نفسه، لأنه يظن أن الحب قد يُسحب منه في أي لحظة.
نبض