بين القدر والمسؤوليّة: هل نملك شجاعة المراجعة بعد ما أصاب الجنوب؟

منبر 02-07-2026 | 13:52

بين القدر والمسؤوليّة: هل نملك شجاعة المراجعة بعد ما أصاب الجنوب؟

من أكثر الأخطاء التي تقع فيها المجتمعات، وخصوصاً بعد الحروب والكوارث، أن تُحِيل كل ما جرى إلى القدر، من دون أن تفتح باباً جاداً لمراجعة الأسباب والقرارات التي سبقت المأساة. فالإيمان بقضاء الله وقدره لا يعني إلغاء مسؤوليّة الإنسان، بل يحمّله مسؤوليّة حُسن التّدبير، لأنّ الله وهب الإنسان العقل والإرادة والقدرة على التّقدير والاختيار.
بين القدر والمسؤوليّة: هل نملك شجاعة المراجعة بعد ما أصاب الجنوب؟
صورة تعبيرية مصممة بالذكاء الاصطناعي
Smaller Bigger

الدكتور عبّاس حيدر

 

 

 

من أكثر الأخطاء التي تقع فيها المجتمعات، وخصوصاً بعد الحروب والكوارث، أن تُحِيل كل ما جرى إلى القدر، من دون أن تفتح باباً جاداً لمراجعة الأسباب والقرارات التي سبقت المأساة. فالإيمان بقضاء الله وقدره لا يعني إلغاء مسؤوليّة الإنسان، بل يحمّله مسؤوليّة حُسن التّدبير، لأنّ الله وهب الإنسان العقل والإرادة والقدرة على التّقدير والاختيار.
ما أصاب الجنوب من دمار واسع، وتهجير قاسٍ، وخسائر إنسانيّة ومادّية هائلة، لا يجوز أن يتحوّل إلى مجرد مناسبة لترديد عبارات الصّبر والحمد والشّكر، من دون أن يرافقها سؤال سياسي وأخلاقي: هل كان بالإمكان تقليل حجم الخسائر؟ وهل كانت كل القرارات التي اتُّخذت خاضعة لحسابات دقيقة للمصلحة الوطنيّة، أم أنّ بعضها يحتاج إلى مراجعة ونقد وتقويم؟
إنّ المجتمعات الحيّة لا تُقاس بقدرتها على تحمّل الألم فقط، بل بقدرتها على التّعلّم من تجاربها. فالحروب ليست مجرّد ساحات للبطولة، بل أيضاً ميادين للمحاسبة السياسيّة والتّخطيط الاستراتيجي. وكل مشروع وطني أو مقاوم، مهما كانت عدالة أهدافه، يبقى مسؤولاً عن تقييم نتائجه وآثاره على الإنسان والأرض والاقتصاد ومستقبل المجتمع.
لقد دفع أبناء الجنوب أثماناً باهظة. هُدّمت البيوت، ونزحت العائلات، وتعطلت المدارس، وتضرّرت مصادر الرّزق، وازدادت الهجرة والقلق على المستقبل. وهذه الوقائع لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها قدراً لا يُناقش، بل بوصفها تجربة تستوجب مراجعة شجاعة، لأنّ احترام تضحيات الناس يبدأ بالبحث الجادّ عن كيفيّة تجنّب تكرار المآسي، لا بالاكتفاء بتمجيد القدرة على تحمّلها.
إنّ تحويل كل نتيجة مؤلمة إلى "إرادة إلهية" قد يمنح راحة نفسيّة مؤقّتة، لكنّه قد يحجب أيضاً مسؤوليّة الإنسان عن قراراته. فالله لم يطلب من الإنسان أن يتخلّى عن عقله، بل أن يُحسن استخدامه، ولم يأمره أن يتوقّف عن المحاسبة، بل أن يقيم العدل، والعدل يبدأ بمساءلة الذّات قبل مساءلة الآخرين.
إنّ الدّول والحركات والأحزاب والقيادات تُقاس في نهاية المطاف بقدرتها على المراجعة، لا بإصرارها على تبرير كل ما حدث. فالمراجعة ليست اعترافاً بالهزيمة، بل دليل نضج سياسي وأخلاقي. أمّا تحويل كل نقد إلى تشكيك، وكل سؤال إلى اتّهام، فإنّه يغلق باب الإصلاح ويكرّس ثقافة العصمة البشرية، وهي ثقافة لا يقرّها الدّين ولا يقبلها العقل.
لقد آن الأوان لأن ننتقل من ثقافة تبرير النّتائج إلى ثقافة تقييم الخيارات، ومن الاكتفاء بتفسير الأحداث بالقدر إلى الاعتراف بأنّ السّنن الإلهيّة تقوم على المسؤوليّة والأخذ بالأسباب. فالله لا يغيّر واقع المجتمعات ما لم تمتلك شجاعة تغيير أساليبها في التّفكير والإدارة واتّخاذ القرار.
إنّ الجنوب الذي قدّم التّضحيات يستحقّ أكثر من كلمات المواساة. يستحقّ دولة تحميه، وسياسات تقلّل من معاناته، وقيادات تمتلك شجاعة النّقد الذّاتي، لأنّ الوفاء الحقيقي للنّاس لا يكون بتمجيد آلامهم، بل بالعمل على ألّا تتكرر، وببناء مستقبل تُصان فيه كرامتهم وأمنهم واستقرارهم.

 
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

لبنان 7/1/2026 5:15:00 AM
يرفض قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل التمييز بين ضابط وآخر، إذ يعملون كلهم تحت مظلة القيادة ولا يُسمح لأي جهة بالتدخل في مهمة أي ضابط.
فن ومشاهير 6/28/2026 12:12:00 PM
بالتوازي مع معايدة الملكة رانيا، هنأ الديوان الملكي الهاشمي الأمير الحسين بعيد ميلاده الثاني والثلاثين.
فن ومشاهير 6/28/2026 1:12:00 PM
إقامة ملكية تجمع هاري وميغان ببريطانيا بعد سنوات من الخلاف.