هل سيتكرر الكابيتول الأميركي بعد الانتخابات الإسرائيلية؟
محمد حسين- سوريا
تعتبر الانتخابات الإسرائيلية المنوي إجراؤها في تشرين الأول المقبل مرحلة فاصلة في تاريخ إسرائيل، ليس بسبب الخلافات بين الأحزاب على القضايا السياسية والأمنية وطرق التعامل معها فحسب، رغم وجود مثل هكذا خلافات، لكن بسبب محاولة نتنياهو إخضاع بنية النظام الإسرائيلي بما يخدم مصالحه الشخصية، بحيث بات يعتبر نفسه ملكاً من ملوك إسرائيل ويجب استمراره في الحكم تحت أي ظرف، ناهيك بقضايا الفساد التي تلاحقه والتي من الممكن أن تنتهي بإنهاء دوره السياسي وصولاً إلى زجه بالسجن إذا خسر هذه الانتخابات.
تشهد الساحة السياسية الإسرائيلية تحولاً جذرياً غير مسبوق في طبيعة الصراع الداخلي؛ إذ لم يعد الخلاف مقتصراً على الهوية السياسية أو التوجهات الاقتصادية والاجتماعية، بل انتقل إلى التشكيك في نزاهة صناديق الاقتراع.
ومع اقتراب موعد انتخابات الكنيست الـ 26 المقررة في أكتوبر/تشرين الأول 2026، تخلت الأوساط النخبوية والأكاديمية والشعبية أيضاً عن يقينها التاريخي بنزاهة اللعبة الديموقراطية، ليتحول الخوف من التزوير والانقلاب على النتائج إلى هاجس أكبر يهدد بانهيار السلم الأهلي والمنظومة السياسية برمتها.
ويرى قطاع واسع من الباحثين القانونيين أن الخطر الأكبر على انتخابات عام 2026 لا يكمن في التزوير التقليدي المتمثل في سرقة الصناديق، بل في "التلاعب التشريعي" الاستباقي بقواعد اللعبة.
ففي دراسة قانونية تحليلية مشتركة صدرت عن "المعهد الإسرائيلي للديموقراطية" وهو مركز أبحاث مستقل ذو نفوذ واسع في صياغة السياسات والقوانين، في مايو/أيار 2026، تحت عنوان "قيود على تغييرات قوانين الانتخابات قبيل الانتخابات"، حذر الباحثون موران كاندلشتاين-هينه، وغاي لوريا، وعساف شابيرا، وعساف هيمان، من خطورة التعديلات الفورية الأحادية الجانب التي تدفع بها الحكومة.
كذلك حذروا من سعي الائتلاف الحاكم الى سن قوانين سريعة تمس بتمويل الأحزاب المعارضة أو تفرض قيوداً تقصي المنافسين الجدد، معتبرين أن هذه الخطوات تعكس الرغبة في تطويع المنظومة التشريعية لخدمة البقاء السياسي، وهو ما ينسف المساواة والشرعية الدستورية.
وهذا التوجس من هندسة التشريعات أكده تقرير استراتيجي شامل صدر في يناير/كانون الثاني 2026 عن معهد "زولات للمساواة وحقوق الإنسان" وهو مركز تفكير ليبرالي يركز على مكافحة التراجع الديموقراطي وسلطة القانون.
وخلص التقرير إلى أن "إسرائيل انزلقت نحو نموذج يحافظ على الانتخابات كديكور خارجي مع إفراغها من مضامينها العادلة، مشيراً إلى أن التنافس السياسي لا يزال قائماً، لكنه يتشكل من جديد ويتقلص، ويعتبر أيضاً غير عادل وفقاً للمقاييس المقبولة".
الصوت العربي الحاضر الغائب
يمثل الوجود السياسي لفلسطينيي الداخل (1948) الكتلة المرجحة التي يسعى اليمين الحاكم جاهداً لتحييدها، وبحسب تقرير المعهد الإسرائيلي للديموقراطية الصادر في 31 يناير/كانون الثاني 2026، فإن هناك خطة ممنهجة لقمع هذا الصوت عبر "نسخة جديدة" من قانون الكاميرا (تشريع سعى حزب الليكود في عام 2019 لإقراره، ويمنح مراقبي الأحزاب السياسية الحق في إدخال كاميرات وتصوير الناخبين داخل مراكز الاقتراع)، مروراً بالإفراط أو عدم كفاية تطبيق القانون من الشرطة في المجتمعات العربية يوم الانتخابات، وصولاً إلى الاستبعاد العام للقوائم والمرشحين العرب من اللجنة المركزية للانتخابات.
نشر كاميرات مراقبة ساهم في خفض نسبة التصويت عند العرب بالانتخابات السابقة
انعكست هذه الهواجس النخبوية رقمياً وبشكل صادم في استطلاعات الرأي العام؛ إذ كشف استطلاع أجرته جامعة "رايخمان" عبر معهد "الحرية والمسؤولية" الذي يديره الأكاديمي المتخصص عمر يائير، في يونيو/حزيران 2025 ونُشر في موقع "زمان إسرائيل" (22 يوليو/تموز 2025)، عن فجوة عرقية هائلة.
فحين يعتقد 66% من اليهود بنزاهة الانتخابات المقبلة، فإن 31% فقط من المشاركين العرب يعتقدون ذلك، في حين يعرب 46% منهم صراحة عن عدم موافقتهم على أن الانتخابات ستكون حرة ونزيهة، مما يعكس قناعة الأقلية العربية بأن أدوات الدولة تُساق لإقصائهم وتهميش وزنهم الانتخابي.
إحصائيات صادمة
بلغت هذه الأزمة ذروتها مع الكشف عن الاستطلاع الإستراتيجي للقناة 12 الإسرائيلية ونشرته دافنا ليئيل بتاريخ 4 يونيو/حزيران 2026، إذ كشف أن 57% من المشاركين في الاستطلاع أنهم "خائفون تماماً" من المساس بنزاهة الانتخابات المقبلة، وانضم إليهم 26% أكدوا أنهم "قلقون للغاية"، مما يرفع إجمالي المذعورين على مصير الصناديق إلى حاجز غالبية كاسحة داخل المجتمع الإسرائيلي.
وما زاد من عمق هذه المخاوف السيطرة السلطوية الحزبية على الهيئات الرقابية، وهو محاولة الائتلاف الحاكم فرض المحامي الشخصي لنتنياهو في منصبٍ رقابي حساس.
وتأكيداً على هذا الانهيار النفسي المروع والاتجاه العام نحو تصفية "المنظومة الديموقراطية"، جاء استطلاع هيئة البث الرسمية "كان 11" في 4 يونيو/حزيران 2026، ليعزز صدارة هذا الهاجس كعامل حاسم؛ إذ كشف أن 60% من الإسرائيليين "يخشون صراحة وبشكل قطعي المساس بنزاهة الانتخابات المقبلة"، في مقابل تفكك حاد لهيبة وهيكل النظام القضائي.
ويأتي هذا الذعر الشعبي العام في ظل تراجع مقاعد الليكود إلى24 مقعداً" وعجز معسكر نتنياهو عن الحسم المستقر بـ53 مقعدا للائتلاف في مقابل 57 للمعارضة و10 للأحزاب العربية، مما يعني بقاء إسرائيل في دوامة "الاستعصاء البرلماني الخانق" الذي يدفع أطراف الصراع الى التمترس خلف خيارات أمنية وتشريعية عنيفة لحفظ بقائهم.
سيناريو الكابيتول الأميركي
حذر بعض النخب الإسرائيلية من تكرار نموذج الكابيتول بعد إعلان نتائج الانتخابات، إذ أظهر استطلاع لمعهد سياسات الشعب اليهودي (JPPI) في 14 يناير/كانون الثاني 2026 أن 38% من الإسرائيليين غير مقتنعين بأن الجمهور والأحزاب سيقبلون نتائج الانتخابات.
وهذا الهاجس من الانهيار الأمني عبّر عنه عسكرياً اللواء (احتياط) ورئيس حزب "الديموقراطيين" يائير غولان، في خطاب في 29 يناير/كانون الثاني 2026 بموقع "إيمس"، متسقاً مع تحذيرات الباحث عمر يائير (جامعة رايخمان) من تكرار نموذج الكابيتول الأميركي.
وصرح غولان بأن نتنياهو وحكومته سيحاولان تخريب الانتخابات المقبلة و"التزوير والكذب وارتكاب الإرهاب"، مطلقاً نداء الى جمهوره للتحول إلى "جنود لحماية الديموقراطية".
في المقابل، نقل نداف شارغاي عن كبير المعلقين السياسيين في صحيفة "هآرتس" يوسي فيرتر، إن إصرار أركان الائتلاف على رفض النتائج قد يدفع المعارضة الى "حصار الكنيست ومبنى الحكومة بمئات الآلاف، وهو ما ينطوي على احتمال وقوع اشتباكات عنيفة، وإراقة دماء في الشوارع، وحرب أهلية".
إن التشكيك المتبادل في نزاهة انتخابات 2026 والذي بلغ مرحلة "التخوين" قبل إجراء الانتخابات، إذا ما استمر على هذا النحو، فستواجه إسرائيل معضلةً كبرى في تاريخها فهل سيتكرر"السيناريو الأميركي" لاقتحام الكابيتول في إسرائيل، أم أن الذي يجري عبارة عن شد العصب الانتخابي في إسرائيل من الأحزاب السياسية الإسرائيلية للفوز في الانتخابات القادمة؟
نبض