السفير تشن تشواندونغ
في تموز ١٩٢١ انعقدت الدورة الأولى لجلسة الحزب الشيوعي الصيني في شانغهاي بحضور ١٣ شابًا. في ذلك الوقت، كانت الصين غارقة في الفقر والضعف وتعرضت للعدوان والإذلال حتى أصبحت على وشك الانهيار والسقوط. من أجل إنقاذ الأمة من العبودية وضمان بقائها، حاول الشعب الصيني تطبيق العديد من الأنظمة السياسية والاجتماعية، ومع الأسف الشديد، لم ينجح أي منها في تغيير مصير البلاد. في السنة نفسها مُنِيَت الصين بالفشل الشديد في مؤتمر باريس للسلام عام ١٩١٩، حيث طلبت الصين، باعتبارها إحدى الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى، إلغاء كل الامتيازات الإمبريالية، لكن ما شهدت من النتيجة هي تسليم الامتيازات الألمانية في الصين إلى اليابان.
في هذا السياق الحساس الذي يمسّ مصير الأمة، وُلِد الحزب الشيوعي الصيني. على مدى أكثر من قرن، قاد الحزب الشيوعي الصيني الشعب الصيني إلى تحقيق استقلال الأمة وتحرير الشعب حتى حقق المعجزتين، التنمية الاقتصادية السريعة والاستقرار الاجتماعي الطويل الأمد. أصبح الحزب الشيوعي الصيني أكبر الأحزاب الحاكمة في العالم ويضم أكثر من ١٠٠ مليون فرد، رغم أنّ العدد كان فقط حوالي خمسين عضوًا عند تأسيسه. فلماذا نجح الحزب الشيوعي الصيني؟ أود أن أجيب عن هذا السؤال من أربع جوانب فيما يلي:
التمسك برسالته وهدفه الأصلية
دائما ما يتمسك الحزب الشيوعي الصيني بهدفه الأصلي ورسالته، ألا وهما السعي من أجل سعادة الشعب الصيني ونهضة الأمة الصينية منذ تأسيسه. تحت قيادة الحزب الشيوعي، حقق الشعب الصيني تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام ١٩٤٩ ونجا من مأزق تشابك الاضطرابات الداخلية والاعتداءات الخارجية، حتى أصبح الشعب صاحبا حقيقيًا للدولة. على مدى أكثر من 70 عاماً منذ تأسيس الصين الجديدة، لطالما التزمت بالطريقة التنموية الاشتراكية التي تتناسب مع ظروفها، الأمر الذي مكّن الصين من زيادة حجم اقتصادها بأكثر من 200 ضعف لِتصبحَ ثاني أكبر اقتصاد في العالم ودولة رائدة في مجال الابتكار، وتمكنت من تحقيق بناء مجتمع رغيد الحياة على نحو شامل بحلول الذكرى المئوية لتأسيس الحزب الشيوعي الصيني.
في الوقت الراهن، يقود الحزب الشعب الصيني إلى السعي إلى تحقيق الهدف المئوي الثاني، ألا وهو بناء دولة اشتراكية حديثة عظيمة تتمتع بالرخاء والقوة والديمقراطية والتطور الثقافي والتناغم والجمال بحلول الذكرى المئوية لتأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 2049.
التمسك بوضع الشعب في المقام الأول
إنّ هدف الحزب الشيوعي الصيني الأساسي هو خدمة الشعب بكل إخلاص، ولا يعمل من أجل مصالح فرد معين أو مجموعة صغيرة. يتمسك الحزب بمبدأ "التنمية من أجل الشعب، والاعتماد على الشعب، وتقاسم الثروت مع الشعب"، ويسعى بحزم إلى تحقيق الرخاء المشترك لجميع أبناء الأمّة. في حوالي السنوات الأربعين الماضية نجحت الصين في القضاء على الفقر لما يقرب من 800 مليون نسمة وبناء أكبر أنظمة الضمان الاجتماعي والصحة العامة والتعليم في العالم. وقد ارتفع متوسط العمر المتوقع في الصين من 35 سنة في عام 1949 إلى 79 سنة حاليا.
تتمسك الصين بتنمية الديمقراطية الشعبية الكاملة العملية حيث اكتشفت مسار الدمقراطية ذات الخصائص الصينية من الانتخابات الدمقراطية والإدارة الدمقراطية والمشاركة الدمقراطية والمراقبة الدمقراطية والتشاور الدمقراطي. يحرص الحزب دائمًا على أن يتنفس مع الشعب الصيني نفسا واحدا ونشترك معه في مصير واحد ويرتبط بقلب واحد معه، هذا هو مصدر ثقة الحزب الشيوعي الصيني وثبات موقفه.
التمسك بالثورة الذاتية
الحزب الشيوعي الصيني، باعتباره الحزب الحاكم الطويل الأمد، يتمسك بالثورة الذاتية للحفاظ على تقدم ونزاهة الحزب من خلال حوكمة الحزب بصرامة على نحو شامل وبناء منظومة رقابية محكمة والتسلح بالفكرة والنظرية المتقدمة والارتباط الوثيق بالجماهير. الثورة الذاتية هي التصفية الذاتية والتحسن الذاتي والارتفاع الذاتي وتصحيح عيوب النفس. . إن الممارسة الشاملة والصارمة للحوكمة الذاتية للحزب تعني إرساء نظام رقابة تقودهه رقابة الداخلية للحزب، بما يعزز التنسيق والتكامل بين مختلف أنواع الرقابة، ويُشدد القيود على ممارسة السلطة، ويصون نزاهة الحزب وصفاء صفوفه. إنّ التسلح بالأفكار والنظريات المتقدمة هي تجنب الانعزال عن الأفكار الأخرى والجمود والأفكار المتحجرة واتباع المسار الخاطئ، والالتزام بالابتكار النظري والبحث عن الحقيقة من الواقع وترسيخ القواعد الفكرية المشتركة للحزب كله. الارتباط الوثيق بالجماهير هو تجنب كافة أنواع البيروقراطية والشكليات، وقبول مراقبة الشعب.
تُعد مكافحة الفساد أعمق أشكال الثورة الذاتية شمولاً. يتمسك الحزب الشيوعي الصيني بمكافحة الفساد إذ يلتزم بمبادئ "عدم وجود أي منطقة محظورة والتغطية الشاملة التسامح الصفري. خلال السنوات الأخيرة، حافظت نسبة الرضا العام لدى الشعب تجاه جهود مكافحة الفساد في الصين على مستوى يفوق 95%.
التمسك بالانفتاح على العالم بأكمله
الحزب الشيوعي الصيني يسعى إلى دفع تقدم البشرية وتحقيق تناغم العالم ككل. تتمسك الصين بالسياسة الخارجية السلمية المتمثلة في الاستقلال والاعتماد على الذات. قد تم إدراج الالتزام بطريقة التنمية السلمية إلى دستور الحزب الحاكم والدولة. طرح الرئيس الصيني شي جينبينغ مفهوم بناء مجتمع المستقبل المشترك للبشرية ومبادرة التنمية العالمية ومبادرة الأمن العالمي ومبادرة الحضارة العالمية ومبادرة الحوكمة العالمية، الأمر الذي قدم الحلول الصينية الخاصة للعالم الذي يشهد تغيرات حائلة لم يشهدها منذ مائة سنة.
تدعو الصين إلى بناء عالم متعدد الأقطاب يتسم بالمساواة والنظام، وبناء عولمة اقتصادية مفيدة وشاملة للجميع، وتعارض الهيمنة وسياسة القوة ودعم الإنصاف والعدالة الدوليين، ودفع التعاون والكسب المشترك. تلتزم الصين دائمًا بحل النزاعات من خلال الحوار والتفاوض والطرق السياسية وتعارض استخدام القوة أو التهديد باستخدام القوة، وقد دفعت الصين السعودية وإيران لتحقيق المصالحة التاريخية، وطرحت مبادرات للحفاظ على السلام والاستقرار في الشرق الأوسط. أسهمت الصين بما يتجاوز 30% من النمو الاقتصادي العالمي في سنوات متتالية، ووقعت ملفات التعاون بشأن "مبادرة الحزام والطريق" مع أكثر من 150 دولة بما فيها لبنان، كما أن مبادرة التنمية العالمية قد حصّلت 20 مليار من أموال التنمية. لقد دفعت الصين الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى قبول قرار بشأن إقامة "اليوم الدولي للحوار بين الحضارات" في 10 حزيران من كل سنة حيث تدعو إلى التمسك بالمفهوم الحضاري المتسم بالمساواة والمنفعة المتبادلة والحوار والتسامح بدلا من "نظرية اصطدام الحضارات" أو"نظرية التفوق الحضاري".
عند تأمل الحاضر واستذكار الماضي، نعرف أن التاريخ والشعب الصيني اختارا الحزب الشيوعي الصيني، وأجاب الحزب بتطبيق وعوده بممارساته الحقيقية. وبالنظر إلى المستقبل، سيقود الحزب الشعب الصيني للمضي قدمًا على طريق التحديث الصيني النمط بخطوة ثابتة، فمن المؤكد أنه سيقدم مساهمات أكبر لمشروع السلام العالمي والتنمية العالمية.
الصين ولبنان، باعتبار كلاهما من دول الجنوب العالمي، صديقان حقيقيان وشريكان عزيزان. إنّ الصين تدعم لبنان في الحفاظ على سيادته وسلامة أراضيه وأمنه واستقراره ووحدته الوطنية، وستظل حريصة على تقديم المساعدات الخالصة والصادقة للشعب اللبناني.
نبض