منبر
01-07-2026 | 11:50
ليس بالموت وحده يخدم الإنسان وطنه
عندما تُقدَّم مصلحةُ دولةٍ خارجية على مصلحة الوطن، ويُسلَّم قرار الحرب والسلم لإرادة الخارج، يصبح التساؤل مشروعاً: كيف يمكن لجماعةٍ أن تربط مصيرها بمشروعٍ يتجاوز حدود وطنها، ولو كان الثمن تعريض الوطن للحروب والدمار وتهديد مستقبل أبنائه؟
غارة إسرائيلية قُبالة شاطئ صور (أ ف ب).
مفيد خطّار
عندما تُقدَّم مصلحةُ دولةٍ خارجية على مصلحة الوطن، ويُسلَّم قرار الحرب والسلم لإرادة الخارج، يصبح التساؤل مشروعاً: كيف يمكن لجماعةٍ أن تربط مصيرها بمشروعٍ يتجاوز حدود وطنها، ولو كان الثمن تعريض الوطن للحروب والدمار وتهديد مستقبل أبنائه؟
هذا السؤال لا يقتصر على السياسة، بل يمتدّ إلى علم الاجتماع وعلم النفس الجماعي. فمن منظور الدولة الوطنية، يبدو عسيراً فهمُ قبول جماعةٍ التضحية باستقرار وطنها أو سيادته خدمةً لمشروعٍ خارجي. لكنّ الجماعات لا تتحرّك دائماً بمنطق الدولة، بل بمنطق هويّاتٍ قد تراها أسمى من الوطن نفسه: دينية أو مذهبية أو عقائدية أو إيديولوجية. وعندما تتحوّل هذه الهويّات إلى مرجعية عليا، تتراجع الدولة إلى مرتبةٍ ثانوية، وتغدو السيادة الوطنية تفصيلاً أمام ما يُنظر إليه بوصفه قضيةً أكبر.
لكنّ الإشكالية لا تكمن في استدراج الحروب إلى أرض الوطن فحسب، بل أيضاً في إعادة تفسير أثمانها على أنّها انتصارات أو تضحيات لا بدّ منها. وهنا لا تُقاس الوقائع بميزان المصلحة الوطنية أو رفاه المواطنين، بل بمدى خدمتها للمشروع الذي تنتمي إليه الجماعة. فتغدو الخسارة بطولة، والمعاناة برهاناً على صدق القضية، فيما يغيب السؤال البديهي: ماذا ربح الوطن؟
والمفارقة أنّ أوّل المتضرّرين من هذا النهج هم، في الأغلب، أبناء تلك الجماعة أنفسهم. فالحروب تستنزف الجميع: أرواحاً، وطاقاتٍ، واقتصاداً، وثقةً متبادلة بين مكوّنات الوطن. ومع تكرار التجربة، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: هل تكون حماية الجماعة بربط مصيرها بمشاريع خارجية، أم بترسيخ حضورها داخل دولةٍ قويّة، سيّدة، عادلة، تحمي جميع أبنائها بلا استثناء؟
وهنا تبرز مفارقةٌ أشدّ قسوةً من الحرب نفسها. فالخطر لا يأتي دائماً من الخصم المعلن، بل قد يأتي أيضاً ممّن يدفع جماعةً إلى خوض معارك تتجاوز مصالحها الوطنية، ويقنعها بأنّ ازدياد التضحيات دليلُ صوابِ النهج، لا موجبٌ لإعادة النظر فيه.
فمَن يستثمر في دماء الآخرين لتحقيق أهدافه، فيما يتحمّل غيره القتل والتهجير والخراب، لا يمكن تبرئته من مسؤوليته الأخلاقية والسياسية. لذلك، قد لا يكون السؤال الحقيقي: من حارب هذه الجماعة؟ بل أيضاً: من دفعها إلى تلك الحروب؟ ومن جنى ثمار التضحيات التي دفعتها؟
ولعلّ ما يدعو إلى التأمّل ليس وجود مشاريع خارجية تسعى إلى توظيف جماعاتٍ محلّية لخدمة مصالحها؛ فالتاريخ حافل بمثل هذه النماذج. إنّما المقلق هو الإصرار على دفع الأثمان نفسها مراراً، من دون مراجعةٍ نقدية للنتائج أو مساءلةٍ صادقة للحصيلة. فالوطن ليس ساحةً لتصفية حسابات الآخرين، ولا قيمة لأيّ انتصارٍ مزعوم إذا كان ثمنه إضعاف الدولة، وتفكّك المجتمع، وتهديد مستقبل الأجيال.
ليس بالموت وحده يخدم الإنسان وطنه، بل بالحياة التي يبنيها فيه. يخدمه حين يزرع الأمل بدل الخراب، والعلم بدل الجهل، والعمل بدل انتظار الحروب. فالأوطان لا تُقاس بعدد من يموتون لأجلها، بل بعدد من يحيون لها، ويبنونها، ويحفظون مؤسساتها، ويصونون وحدتها، ويؤمّنون مستقبل أبنائها.
وليس بالموت وحده يموت الإنسان؛ فقد يموت حين يفقد حريته، وقدرته على التفكير، وشجاعة المراجعة، ويحيا حين ينتصر للحقيقة، ويجعل الوطن فوق كلّ ولاءٍ آخر.
عندما تُقدَّم مصلحةُ دولةٍ خارجية على مصلحة الوطن، ويُسلَّم قرار الحرب والسلم لإرادة الخارج، يصبح التساؤل مشروعاً: كيف يمكن لجماعةٍ أن تربط مصيرها بمشروعٍ يتجاوز حدود وطنها، ولو كان الثمن تعريض الوطن للحروب والدمار وتهديد مستقبل أبنائه؟
هذا السؤال لا يقتصر على السياسة، بل يمتدّ إلى علم الاجتماع وعلم النفس الجماعي. فمن منظور الدولة الوطنية، يبدو عسيراً فهمُ قبول جماعةٍ التضحية باستقرار وطنها أو سيادته خدمةً لمشروعٍ خارجي. لكنّ الجماعات لا تتحرّك دائماً بمنطق الدولة، بل بمنطق هويّاتٍ قد تراها أسمى من الوطن نفسه: دينية أو مذهبية أو عقائدية أو إيديولوجية. وعندما تتحوّل هذه الهويّات إلى مرجعية عليا، تتراجع الدولة إلى مرتبةٍ ثانوية، وتغدو السيادة الوطنية تفصيلاً أمام ما يُنظر إليه بوصفه قضيةً أكبر.
لكنّ الإشكالية لا تكمن في استدراج الحروب إلى أرض الوطن فحسب، بل أيضاً في إعادة تفسير أثمانها على أنّها انتصارات أو تضحيات لا بدّ منها. وهنا لا تُقاس الوقائع بميزان المصلحة الوطنية أو رفاه المواطنين، بل بمدى خدمتها للمشروع الذي تنتمي إليه الجماعة. فتغدو الخسارة بطولة، والمعاناة برهاناً على صدق القضية، فيما يغيب السؤال البديهي: ماذا ربح الوطن؟
والمفارقة أنّ أوّل المتضرّرين من هذا النهج هم، في الأغلب، أبناء تلك الجماعة أنفسهم. فالحروب تستنزف الجميع: أرواحاً، وطاقاتٍ، واقتصاداً، وثقةً متبادلة بين مكوّنات الوطن. ومع تكرار التجربة، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: هل تكون حماية الجماعة بربط مصيرها بمشاريع خارجية، أم بترسيخ حضورها داخل دولةٍ قويّة، سيّدة، عادلة، تحمي جميع أبنائها بلا استثناء؟
وهنا تبرز مفارقةٌ أشدّ قسوةً من الحرب نفسها. فالخطر لا يأتي دائماً من الخصم المعلن، بل قد يأتي أيضاً ممّن يدفع جماعةً إلى خوض معارك تتجاوز مصالحها الوطنية، ويقنعها بأنّ ازدياد التضحيات دليلُ صوابِ النهج، لا موجبٌ لإعادة النظر فيه.
فمَن يستثمر في دماء الآخرين لتحقيق أهدافه، فيما يتحمّل غيره القتل والتهجير والخراب، لا يمكن تبرئته من مسؤوليته الأخلاقية والسياسية. لذلك، قد لا يكون السؤال الحقيقي: من حارب هذه الجماعة؟ بل أيضاً: من دفعها إلى تلك الحروب؟ ومن جنى ثمار التضحيات التي دفعتها؟
ولعلّ ما يدعو إلى التأمّل ليس وجود مشاريع خارجية تسعى إلى توظيف جماعاتٍ محلّية لخدمة مصالحها؛ فالتاريخ حافل بمثل هذه النماذج. إنّما المقلق هو الإصرار على دفع الأثمان نفسها مراراً، من دون مراجعةٍ نقدية للنتائج أو مساءلةٍ صادقة للحصيلة. فالوطن ليس ساحةً لتصفية حسابات الآخرين، ولا قيمة لأيّ انتصارٍ مزعوم إذا كان ثمنه إضعاف الدولة، وتفكّك المجتمع، وتهديد مستقبل الأجيال.
ليس بالموت وحده يخدم الإنسان وطنه، بل بالحياة التي يبنيها فيه. يخدمه حين يزرع الأمل بدل الخراب، والعلم بدل الجهل، والعمل بدل انتظار الحروب. فالأوطان لا تُقاس بعدد من يموتون لأجلها، بل بعدد من يحيون لها، ويبنونها، ويحفظون مؤسساتها، ويصونون وحدتها، ويؤمّنون مستقبل أبنائها.
وليس بالموت وحده يموت الإنسان؛ فقد يموت حين يفقد حريته، وقدرته على التفكير، وشجاعة المراجعة، ويحيا حين ينتصر للحقيقة، ويجعل الوطن فوق كلّ ولاءٍ آخر.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
لبنان
6/30/2026 2:24:00 PM
انخفض سعر ربطة الخبز من الحجم الوسط في صالات الأفران للمستهلك على كامل الأراضي اللبنانية إلى 70,000 ليرة لبنانية (بدلاً من 75,000 ليرة لبنانية)
لبنان
6/30/2026 6:10:00 PM
عقوبات جديدة تستهدف "القرض الحسن" و"بيت المال" و16 مسؤولاً في "حزب الله"
فن ومشاهير
6/28/2026 12:12:00 PM
بالتوازي مع معايدة الملكة رانيا، هنأ الديوان الملكي الهاشمي الأمير الحسين بعيد ميلاده الثاني والثلاثين.
فن ومشاهير
6/28/2026 1:12:00 PM
إقامة ملكية تجمع هاري وميغان ببريطانيا بعد سنوات من الخلاف.
نبض