جنوبيون على درب جلجلة الوطن
عمّار الحيدري
نحنُ أبناءَ الجنوبِ لا نُدافعُ عن بُقعةِ أرضٍ، وبضع قرىً، وحقولِ تبغٍ وزيتونٍ فقط؛ هذا ما يراهُ فينا عُميانُ البصيرةِ قبلَ البصر. فنحنُ طيلةَ هذهِ العقودِ والمحنِ التي مرَّتْ علينا، ما زادتنا إلا عزماً وصموداً وتمرُّساً في إذلالِ أُنوفِ الأعداءِ، وعلى رأسِهِم الكيانُ الصهيوسرطانيُّ المحتلُّ والمختلُّ في آنٍ.
نحنُ كنَّا ولا زلنا نُدافعُ عن وطنٍ ضائعٍ في غياهبِ الزمنِ، وغيابِ أركانِ دولةٍ تُكرِّسُ سيادتَها على أرضِها في وجهِ مَن يتربَّصُ بها ويهدِّدُ أمنَ شعبِها.
نحنُ كأبناءِ الجنوبِ الصامدِ، كالملحِ الذي لا يُفسدُهُ الدهرُ مهما مرَّ عليهِ من صعابٍ، نحنُ أبناءُ الجنوبِ بكلِّ أطيافِهِ وزخرفِ ألوانِهِ في التنوُّعِ المتعدِّدِ، إنْ من ناحيةِ الطوائفِ أم الثقافاتِ، وكذلكَ التقاليدِ والعاداتِ؛ فعلى مدارِ سنواتٍ طوالٍ ومن زمنِ الأجدادِ، حوَّلنا هذا التنوُّعَ -بالممارسةِ وليسَ بالشعاراتِ الفارغةِ- إلى رغيفِ خُبزِنا اليوميِّ الذي نقتاتُ منهُ كلُّنا بشكلٍ طبيعيٍّ (طبعاً باستثناءِ بعضِ الوساوسِ المريضةِ نفسيّاً والملوَّثةِ فكرياً، فهي لا تعنينا ولا تُمثِّلُ الروحَ الحقيقيةَ لأبناءِ الجنوبِ).
نحنُ أبناءُ هذهِ الأرضِ وإخوةُ الوطنِ الواحدِ، حتى لو كانَ وطناً افتراضياً بواقعِهِ الحاليِّ، فحقُّنا المكرَّسُ أن نُدافعَ عن كلِّ شبرٍ وعن كلِّ حبَّةِ ترابٍ من وطنِنا، ونردَّ المظلوميةَ عن كاهلِ شعبِنا كافَّةً، فكما نتشاركُ الهواءَ والماءَ والترابَ في هذهِ البقعةِ الجغرافيةِ (الوطن)، فحتماً نحنُ كأبناءِ هذا الوطنِ شركاءُ في المسارِ والمصيرِ، وكما كنَّا سوياً فيما مضى، سنبقى معاً ما بقيَ هناكَ وطنٌ ولو على مساحةِ شبرٍ واحدٍ.
ستنجلي هذه الغمامة، وسنعودُ لنزرعَ في أرضِ الجنوبِ سنابلَ الأملِ، لا لنحكيَ حكاياتِ الأمسِ فحسب، بل لننسجَ من خيوطِ عيشِنا المشتركِ ثوباً جديداً لوطنٍ يستحقُّنا.
إنَّ العودةَ ليست مجردَ انتقالٍ جغرافيٍّ، بل هي استعادةٌ لروحِنا التي لن تُهزم؛ حيثُ تلتئمُ القلوبُ على مائدةِ المحبةِ، ويصيرُ السلامُ واقعاً نعيشُه بصدقِ النوايا، لا ببريقِ الأقاويلِ، لنكتبَ معاً فصلاً جديداً من الكرامةِ والإعمارِ، حيثُ يظلُّ الجنوبُ حاضناً للجميع، كما كان دائماً، وكما سيكون.
نبض