ما بعد إسلام آباد: هل هي تسوية مستدامة أم استراحة محارب؟
أكرم بزي - كاتب وباحث سياسي لبناني
تتسم القراءات الاستراتيجية لتفاهمات إسلام آباد الموقعة في منتصف حزيران/يونيو 2026 بين الولايات المتحدة وإيران بتباين حاد في أوساط النخب الدولية، حيث يرى البعض في هذا الاتفاق ضرورة واقعية للجم التصعيد، بينما يراه آخرون تراجعاً استراتيجياً يفتقر إلى الضمانات الكافية. بعد اندلاع الحرب في شباط/فبراير 2026 وما تلاها من اشتباكات إقليمية واسعة، جاءت مذكرة تفاهم إسلام آباد كخطوة تهدف إلى وقف النزيف العسكري وضبط ممرات الملاحة في مضيق هرمز، ومع ذلك فإن هذا الاتفاق يضع الإدارة الية أمام اختبار وجودي لمدى قدرتها على ترجمة النجاحات العسكرية إلى مكاسب دبلوماسية مستدامة، بينما تثير تفاصيل الاتفاق في تل أبيب صدمة لا تخطئها العين، وسط قناعة متزايدة بأن واشنطن قد قررت المضي قدماً في ترتيبات إقليمية لم تعد إسرائيل جزءاً من صياغتها، بل متلقياً لنتائجها.
يرى أنصار تيار الواقعية والاحتواء في واشنطن أن استمرار الحرب لم يعد خياراً منطقياً، خاصة بعد فشل السياسات العسكرية في تحقيق أهدافها النهائية. وفي هذا السياق، يرى توماس فريدمان الكاتب في نيويورك تايمز في حزيران/يونيو 2026 أن الاتفاق يمثل رهاناً كبيراً ومحاولة أميركية لإدراك أن المصالح الاستراتيجية لا تتحقق بالصدام المفتوح، بل عبر تفاهمات تقنية قد تعيد رسم خريطة النفوذ في المنطقة، مؤكداً أن البديل عن هذا الاتفاق كان سيقود إلى انهيارات أمنية واقتصادية شاملة في المنطقة.
في المقابل، يعتبر تيار الصقور والتشكيك في أميركا أن التفاهمات هي مجرد استراحة محارب تمنح طهران فرصة لتجاوز العقوبات وإعادة ترتيب أوراقها. ويحذر ماثيو كرونيغ نائب مدير مركز سكوكروفت بالمجلس الأطلسي في حزيران/يونيو 2026 من أن تجميد البرنامج النووي أو تقليصه دون ضمانات جذرية ومستدامة هو خطأ استراتيجي، معتبراً أن الاعتماد على هدنة الستين يوماً يمنح إيران غطاءً زمنياً لتثبيت أقدامها، واصفاً الاتفاق بأنه سلام هزيل لا يعالج جذور النزاع. وتؤكد دانييل بليتكا نائبة رئيس معهد أميركان إنتربرايز في أيار/مايو وحزيران/يونيو 2026 أن واشنطن تكرر أخطاء الماضي بتركيزها على الجانب النووي فقط، متجاهلة التهديدات المرتبطة بالصواريخ الباليستية والأذرع الإقليمية، محذرة من أن التنازلات الاقتصادية الممنوحة لطهران ستؤدي بالضرورة إلى إعادة تمويل الأنشطة المزعزعة للاستقرار في المنطقة.
على الضفة الأخرى، تسود في الصحافة العبرية حالة من الذهول والاتهامات المتبادلة. يجادل بن كسبيت الكاتب في معاريف في حزيران/يونيو 2026 بأن نتنياهو يمارس سياسة الهروب إلى الأمام، معتبراً أن قراراته لا تخدم الأمن القومي بقدر ما تخدم أجندته الخاصة بالبقاء في السلطة، ومحذراً من أن المقامرة بالمواجهة المفتوحة دون غطاء أميركي حقيقي كانت كارثية. وبنبرة لا تقل حدة، يرى عوفر شيلح الكاتب في هآرتس في حزيران/يونيو 2026 أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية عالقة في نمط من العمليات التي لا تؤدي إلا إلى المزيد من العزلة الدولية، مؤكداً أن الانفصال عن الواقع السياسي في إدارة الملف الإقليمي قد حول إسرائيل إلى دولة محاصرة بقراراتها المتخبطة. ويعتبر هؤلاء الكتاب أن بنود الاتفاق المسربة، ولا سيما المتعلقة برفع الحصار عن الموانئ الإيرانية والإفراج عن الأصول المجمدة، تمثل تراجعاً خطيراً عن أهداف الحرب المعلنة، وتنازلاً يمنح إيران شرعية إقليمية واسعة، ما يضع إسرائيل أمام تحديات صعبة تتعلق بقدرتها على المناورة وحيدة في وجه المتغيرات الدولية.
تجمع التقارير التحليلية الصادرة عن مراكز أبحاث مثل المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في تقريرها الصادر بتاريخ 17 حزيران/يونيو 2026 على أن الاتفاق يظل إطاراً مؤقتاً وهشاً. فبينما يرى البيت الأبيض أن هذا التفاهم هو الوسيلة الوحيدة للعودة إلى المفاوضات بعد الحرب، يشير الخبراء إلى أن العوائق أمام صفقة كبرى لا تزال قائمة، خاصة مع التناقضات بين الأجندات الأميركية والإقليمية حول أمن الخليج.
وهكذا، فإن واشنطن اليوم، وفقاً لهذه الرؤى، لا تجد نفسها في حالة انتصار، بل في مرحلة إدارة انقسام. وبينما توفر مذكرة إسلام آباد نافذة ضيقة للهدوء، فإنها تترك الأسئلة الكبرى حول مستقبل النفوذ الإيراني وأمن الملاحة معلقة في انتظار جولات المفاوضات التقنية المقبلة، وسط تحذيرات من أن أي ثغرة في التنفيذ قد تعيد المنطقة إلى مربع الصفر، وتكشف هشاشة الوعود الأميركية بالاستقرار في ظل إدارة باتت تبحث عن الخروج من صراعات الشرق الأوسط بأقل الخسائر، حتى لو كان ذلك على حساب تحالفاتها التاريخية.
نبض