النسيج الذي أهملنا خيوطه

منبر 30-06-2026 | 10:26

النسيج الذي أهملنا خيوطه

في وطنٍ أصبح فيه الاستقرار أمنيةً أكثر منه واقعاً، تتزاحم القضايا حتّى يكاد الوطن نفسه يضيع بينها.
النسيج الذي أهملنا خيوطه
دمار هائل في مدينة صور (أ ف ب).
Smaller Bigger

لين مرعي 

 

 

في وطنٍ أصبح فيه الاستقرار أمنيةً أكثر منه واقعاً، تتزاحم القضايا حتّى يكاد الوطن نفسه يضيع بينها. ينشغل كل فريق من مختلف الفئات بالدفاع عن روايته، وكل جماعة بحماية مصالحها، حتى غدا لبنان، الذي يجمعنا، مجرد ساحة تتنازعها الانتماءات. فقد نسينا أن الأوطان لا تُبنى حين ينتصر جزءٌ على آخر، بل حين يدرك الجميع أن مصيرهم واحد، مهما اختلفت وتنازعت طرقهم. 
يتردد دائماً سؤال يبدو بسيطاً لكنّه يحمل وجعاً دامياً: لماذا وصلنا إلى هنا؟ هل هو القدر؟ كلا. فالقدر لا يوقع مراسيم، ولا يعقد الصفقات، ولا ينهب المال العام، ولا يجعل قرار الوطن رهينة لحسابات الخارج. ما نعيشه هو حصيلة خيارات بشرية، سياسات قصيرة النظر، وانقساماتٍ جعلت من لبنان صدئ لصراعاتٍ أكبر من حجمه، يدفع ثمنها من دون أن يملك حق تقريرها أو إنهائها. 
لبنان، البلد الصغير، يشبه بيتاً عتيقاً تقاسمه إخوة اختلفوا طويلاً على المفتاح، حتى نسوا أو تناسوا أن السقف الذي يظللهم جميعاً بدأ يتداعى. كلٌّ شيّد جداراً حول غرفته، ظناً انه يحتمي به، غير مدرك أن المطر، حين ينفذ من سقفٍ مثقوب، لا يميز بين غرفةٍ واخرى. كذلك الأزمات، فالانهيار الاقتصادي لا يفرق بين الطوائف، والعتمة لا يهما منطقة عن سواها، والهجرة لا تأبه للهوية السياسية لمن يحمل حقائب ذكرياته ويرحل. وفي مفارقةٍ مؤلمة، يبدو الانهيار أكثر مساواة من أولئك الذين صنعوه.
ربما كانت أزمتنا الأعمق أننا أتقنّا حفظ جراحنا، وأهملنا الإنصات لجراح الآخرين. يروي كل طرف تاريخه بوصفه الضحية الوحيدة، وكأنّ الألم لا يتسع إلا لروايةٍ واحدة. هكذا، تحوّل الحوار إلى لقاءٍ بين ذاكراتٍ متوازية لا تتقاطع، يعلو صوت الجميع فيها، بينما يُغيّب الإصغاء، وتضيع الحقيقة بين ضجيج الاتهامات. 
لكن، ماذا لو نظرنا إلى لبنان من زاويةٍ أخرى؟ ماذا لو رأيناه نسيجاً لا خريطة مقسمة؟ ففي النسيج لا يُسأل أي خيطٍ أكثر أهمية، لأن قيمة وجمال الثوب تكمن في اكتمال خيوطه جميعاً. فإذا انقطع خيط واحد، بدأ التمزق يمتدّ حتى يطال الكل. ولعل هذه الحقيقة التي تأخرنا في إدراكها أو تغاضينا عنها: قوة لبنان لم تكن يوماً تكمن في تشابه أبنائه، بل في قدرتهم على تحويل اختلافهم إلى مصدر غنى، لا إلى ذريعةٍ للصراع.
أما الشباب، فهم ورثة أسئلةٍ لم يشاركوا في صنعها، وفواتير لم يوقعوا عليها. يهاجر الكثيرون لا لأنهم كرهوا الوطن، بل لأنهم أحبّوه بما يكفي ليشعروا بالعجز أمام انهياره. حتى الذين غادروا، حملوا لبنان في ثنايا ذاكرتهم. وفيمن بقي ومن رحل، يعيش إيمان عنيد بأن هذا الوطن يستحق فرصة أخرى، وأنه أكبر من أزماته مهما طالت. 
لذلك، لعلّ السؤال الأهم ليس: من المسؤول؟ بل: ما الذي نستطيع نحن أن نفعله؟ فالوطن لا تحميه الشعارات، ولا تنقذه الخطب، بل يصنعه سلوكٌ يومي يبدأ من الاعتراف بأن الآخر هو شريكٌ في المصير، لا خصم يجب إقصاؤه. فالمواطنة ليست انتماءً عابراً، بل مسؤولية تمارس كل يوم. 
قد لا نتفق غداً، وربما لن يحدث ذلك أبداً، وليس المطلوب أن تتشابه آراؤنا. المطلوب فقط أن ندرك أن أي انتصار يُبنى على هزيمة الداخل ليس انتصاراً، بل خسارة مؤجلة يدفع ثمنها الجميع. فالأوطان تسقط حين تتفكك خيوطها خيطاً بعد آخر. 
يبقى الأمل في جيلٍ يرفض معادلة ''إما أنا أو أنت''، ويؤمن بأن الاختلاف لا يجب أن يقود إلى القطيعة، بل إلى الحوار. جيل يعيد جمع الخيوط التي أهملناها طويلاً، وينسج منها وطناً يتسع للجميع، وطناً لا يُقاس بعدد المنتصرين فيه، بل بعدد الذين يشعرون أنهم ينتمون إليه حقاً.

الأكثر قراءة

فن ومشاهير 6/27/2026 9:21:00 AM
محطات من حياتها الشخصية السابقة، وعلى رأسها خطبتها الشهيرة من المطرب محمد عطية عام 2020.
فن ومشاهير 6/28/2026 12:12:00 PM
بالتوازي مع معايدة الملكة رانيا، هنأ الديوان الملكي الهاشمي الأمير الحسين بعيد ميلاده الثاني والثلاثين.
فن ومشاهير 6/28/2026 1:12:00 PM
إقامة ملكية تجمع هاري وميغان ببريطانيا بعد سنوات من الخلاف.
فن ومشاهير 6/29/2026 10:02:00 AM
قالت نسرين طافش بعد الطلاق: أرجو من الجميع احترام الخصوصية.