كرة القدم: مرايا الملعب وأوهام الجماهير

منبر 28-06-2026 | 18:30

كرة القدم: مرايا الملعب وأوهام الجماهير

ربما تكمن عظمة كرة القدم في أنها اللعبة الوحيدة التي تسمح لنا بأن نعيش اختلافاتنا الداخلية بصراحة...
كرة القدم: مرايا الملعب وأوهام الجماهير
حضور جماهيري في كأس العالم 2026 (أ ف ب).
Smaller Bigger

د. طلال الخزرجي

 

 

في الساحات الخضراء حيث تتدحرج الكرة، تتناقض الحقائق وتتقاطع المصائر. ها هو تراب الملاعب الذي يلامس أقدام الفقراء قبل أن يتحول إلى ذهب في خزائن الأغنياء. لعبة ولدت من رحم البساطة، من شوارع الأحياء المتواضعة، لتصبح صناعة تدار في بورصات الرأسماليين وأحلام المليارديرات. إنها المفارقة الأكثر وضوحاً في عصرنا: أن تكون اللعبة ملكاً للجميع في الممارسة، ثم تكون الغنائم حصراً للقلة في النهاية.

في مدرجات الملاعب، وفي ظلال المقاهي حيث تتجمع العيون على الشاشات، تُعلن حالة استثنائية من المساواة. الكل هنا يحمل حق التملك الرمزي، الكل يمتلك رأياً في التكتيك والتبديل وقرارات الحكم. العامل والطبيب، المعلم والتاجر، جميعهم خبراء في تلك اللحظة، جميعهم يحملون شهادة في فلسفة اللعبة. إنها ديمقراطية الملاعب التي لا تعرف الفوارق الطبقية، سلطة موهوبة ومقيدة بدستور مكتوب، تخضع للمراجعة من قبل محكمة الجماهير التي لا تعرف الصمت. لكن ما وراء حدود الملعب، في جغرافيا الواقع اليومي، تعود الفوارق وتنكمش المساحات، فالمواطن الذي هو ملك في المدرج يعود إلى موقعه في السلم الاجتماعي: ربما عامل مهمش، أو موظف مقهور، أو إنسان يبحث عن رزقه في اقتصاد ضيق. وهنا تكمن الوظيفة الوجودية لكرة القدم في مجتمعاتنا: متنفس للهموم، وملاذ من قسوة الواقع، وفسحة حرية لإنسان تضيق به السبل، حيث يجد الفرد الحق في الصراخ دون عقاب، وفي الاحتجاج دون تهمة، وفي الفرح دون قيود.

يقول كارل ماركس إن الدين أفيون الشعوب، فأصبحت كرة القدم اليوم هي أفيون الشعوب. كما كانت المعابد تقدم للفقراء عزاءً عن فقرهم ووعوداً بملكوت سماوي، هكذا أصبحت الملاعب تقدم للجماهير لحظات انتشاء تعوض عن إحباطات الواقع. وهذا يقودنا إلى قلب المفارقة التي صاغها المفكر الدكتور مصطفى محمود ببراعة: "إن أكبر إنجاز حققته أنظمة الدول المتخلفة هو إقناع شعوبها بأن التأهل لكأس العالم إنجاز كبير، وأن تخلف التعليم والصحة شيء عادي". هنا ينتقل الدور من كونه أفيوناً مخدراً إلى كونه أداة فعالة في إدارة الأولويات وتشكيل الوعي، ففي لحظة يحقق فيها المنتخب الوطني فوزاً مؤقتاً، تُنسى هزائم عقود في ميادين التنمية والعدالة الاجتماعية، وتُقدَّم لحظة التأهل كإنجاز وطني يعوض عن إخفاقات التعليم المتداعي ونظام الصحة المفكك. وهكذا تتحول الرياضة إلى استراتيجية سياسية واجتماعية تبرر من خلالها النخب الحاكمة إهمالها للقطاعات الحيوية، بينما تلهث الشعوب خلف أحلام كروية تباع لها كبديل عن الحق في تعليم جيد ورعاية صحية لائقة وعيش كريم.

بل إن المفارقة تتجاوز ذلك إلى حد أغرب: فكرة القدم لم تعد مجرد هواية تتسلى بها الشعوب، ولا حرفة يمارسها المحترفون، بل تحولت إلى ضرورة وجودية يعتقد الجمهور أنها مقياس لنهضة الدولة، حتى لو كانت بلاده تمتلك من التنمية المتقدمة والازدهار العلمي ما يفوق الخيال. إنه يعتقد، بصدق مذهل، أن هناك نقصاً في كل ما سبق إذا لم تتقن بلاده كرة القدم، وكأن التقدم الحقيقي يُقاس بعدد الأهداف التي تسكن شباك الخصوم، لا بعدد براءات الاختراع التي تسكن أرفف الجامعات. هنا يُقاس نجاح الدولة بقدر نجاح ملعبها أكثر من نجاح مختبراتها، ويصبح السؤال المحرج: هل نخاف من خسارة المباراة أكثر من خوفنا من خسارة المستقبل؟ أم أننا، في أعماقنا، نعرف أن كرة القدم أصبحت الاختبار الأسهل لإثبات الذات في عالم معقد، حيث صارت المعرفة صعبة والتكنولوجيا مبهمة، أما الكرة فبسيطة ومفهومة ومباشرة، تخبرنا في تسعين دقيقة إن كنا نستحق الاحترام أم لا؟

وهنا يتجلى التناقض الأغرب: ذلك الفقير الذي يكاد لا يملك قوت يومه، تراه واقفاً في المدرج يهتف بكل ثقة وعزة قائلاً: "نحن اشترينا هذا اللاعب بملايين الدولارات"، بينما هو في الحقيقة من يُشترى ولاؤه ويُباع حماسه، دون أن يدرك أنه يستبدل جوعه بوهم الثراء، ويبيع وقته الصامت بصراخه المدوي في الملعب. كلمة "نحن" ليست دليلاً على الملكية، بل برهان على التملك العاطفي الذي تمارسه اللعبة عليه، حيث يُباع له الثراء الافتراضي كسلعة، ويُشترى حلمه كاستثمار في استمرار الوهم. وسرعان ما تعود الحقيقة مع صافرة النهاية، فيعود ذلك الفقير إلى كوخه الصغير وإلى خبزه اليومي، تاركاً وراءه تلك الملايين التي امتلكها لحظات بالوهم، وكأن اللعبة تمنحه ثم تسلبه، ترفعه ثم تخفضه.

والجميل في هذه اللعبة أنها تعترف بتناقضاتها. ففي نفس اللحظة التي تكون فيها أداة للهروب من الواقع، يمكن أن تتحول إلى منصة للاحتجاج عليه. وفي نفس اللحظة التي تكون فيها سلعة في سوق الرأسمالية، تظل تمتلك نقاءً جمالياً يتجاوز القيمة المادية. إن كرة القدم بهذا المعنى مرآة ضخمة للمجتمعات الحديثة، تعكس طموحاتها وتناقضاتها، هزائمها وانتصاراتها. في ساحاتها الخضراء، نرى صورة مصغرة لصراعنا بين الحلم والواقع، بين الفقر والثراء.

ربما تكمن عظمة كرة القدم في أنها اللعبة الوحيدة التي تسمح لنا بأن نعيش اختلافاتنا الداخلية بصراحة. إنها تخفي حقيقة أننا نبحث عن الملاذ، ولا تنكر أننا نحتاج إلى الأسطورة. تسمح لنا بأن نكون أطفالاً في حماسنا، وحكماء في تحليلنا، وثواراً في احتجاجنا، ومستسلمين في خيباتنا. في النهاية، تظل كرة القدم ذلك الحيز الافتراضي حيث يمكن للفقير أن ينتقد الحكم لأنه لا يطبق دستور الكروة دون خوف، وحيث يمكن للإنسان العادي أن يكون بطلاً ولو في أحلامه، وحيث تتحول الهزيمة إلى درس، والانتصار إلى ملحمة. إنها لعبة الفقراء التي اختطفها الأغنياء، لكن روحها تبقى دوماً حبيسة تلك القلوب التي تنبض بها في كل مكان، متحدية كل محاولات الاحتواء، مؤكدة أن بعض الألعاب تبقى أكبر من أن تكون مجرد صناعة، وأعمق من أن تكون مجرد تسلية.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

رياضة 6/24/2026 8:03:00 PM
حلقة تتناول كرة القدم بكل جوانبها، وبشكل خاص خلال نهائيات كأس العالم 2026.
رياضة 6/26/2026 12:22:00 PM
لعن رونالدو وهاري كين وتنبأ ببطل العالم... من هو الساحر الغاني نانا كواكو بونسام؟
رياضة 6/27/2026 2:00:00 AM
ودّعت السعودية مونديال 2026 لكرة القدم على الرغم من تعادلها سلبا مع الرأس الأخضر التي حققت تأهلا تاريخيا في مشاركتها الأولى إلى دور الـ32 من دون أي فوز، ضمن الجولة الثالثة الأخيرة من الدور الأول
رياضة 6/27/2026 5:15:00 AM
حلت مصر وصيفة لمجموعتها بتعادلها مع إيران 1-1، بعد ساعات من ضمانها التأهل رسمياً إلى دور الـ32 من كأس العالم 2026، للمرة الأولى في تاريخ مشاركاتها الأربع