عاشوراء الحسين من نموذج الفروسية إلى مثال الضحية
لا يعني عرض هذا الانتقال لوضعية الحسين من فارس إلى ضحية بريئة، الانتقاص من القيمة الروحية لعاشوراء ولا من مكانة الحسين، لكن لغرض الانتباه إلى أن واقعة كربلاء ما تزال تختزن في دلالاتها وقوة إثباتها أكثر ما قيل عنها...
د. سيلفا علي بلوط
لا تعدّ عاشوراء مجرد حدث تاريخي يستحضره محبوه من الشيعة وغيرهم، بل هي واحدة من أكثر المناسبات حضوراً في تشكيل الذاكرة التاريخية والهوية الجمعية و تأثيراً في نظرتها إلى ذاتها وفهمها للعالم. بَيد أن السؤال الملحّ، هنا، يتناول مدى أو درجة تقارب شخصية الحسين التاريخية وتوافق أحداث كربلاء الفعلية والواقعية مع السردية التي تكوّنت عنه في التاريخ، وتناقلتها الأجيال المتعاقبة، بعد أن وضعتها في ترتيب مأساوي مشحون بتفاعلات خاصة، و صنعت منها مستوعباً متخماً بالعواطف المسقَطة و المتناقضة .
مما لا شكّ فيه، تحمل الإجابة معها النفي. ويعود السبب في ذلك إلى أن الشخصيات التاريخية لا تُستحضر في الأزمنة اللاحقة بدمها ولحمها، ولا يتم نقل الأحداث كما جرت في سياقها و تاريخيتها. إذ يُستدعى كل ذلك في صورة رمزية ومؤسطرة تخدم وظيفة اجتماعية أو تعزز وضعاً أو ترسّخ معتقداً أو تعمم موقفاً. وهذا ما يعني أن الأجيال المتعاقبة بعد الحسين عمدت أو تعمّدت تحوير الوقائع الأصلية أو الإضافة عليها، ليس بهدف استحضار الحدث الكربلائي بذاته، ولا حتى من أجل تحريفه والتلاعب به، وإنما ليتخذ دلالة ويكتسب معنى ويترك أثراً يمسّ بمشاعر الناس ويطبع تطلعاتهم ويجذّر هواجسهم ومخاوفهم بما يتناسب مع أهداف قد تكون سياسية أو اجتماعية أو غيرها.
لا يفعل الحدث التاريخي فعله في الأزمنة اللاحقة إلا حين يعاد إنتاجه وتأويله على هيئة معينة وسردية مختلفة و خاصة، وذلك ليتخذ راهنية في زمن الاستدعاء والتلقي، ويستجيب للحاجات النفسية أوالجمعية لمن استحضره، فرداً كان أم جماعة. وهذا ما يحول الحدث الكربلائي إلى مزيج معقّد و مكوّن من تاريخ ووقائع موثقة من جهة، وإسقاطات من ذات المستدعي والمتلقي في الزمن اللاحق على الحدث الكربلائي من جهة أخرى. وبذلك، تصبح السيرة الحسينية عبارة عن سرد لواقعة القتل المروعة للحسين، وذات تجعل من مأساة الحسين مرآة لذاتها.
وهنا، يتبدّى السؤال الأهم حول سبب اتخاذ الطقس الكربلائي صورة خاصة دونما أخرى، سيّما وأن واقعة كربلاء تختلف في إطارها التاريخي وتفاصيلها الدرامية كلياً عن الطقسية التي تمارَس حول الحدث من خلال مسرحة متعمّدة تطلق ما يمكن تشبيهه بهستيريا جمعية.
يوثق التاريخ أن الحسين خرج طائعاً إلى مصيره وهو يدرك تماماً نتائج قراره و مآل تنفيذه. وهو لم يكن ضحية استُدرجت أو سيقت إلى الموت ، بل كان صاحب قرار حر اختار المواجهة والشهادة بإرادة كاملة. فترجم موته موقفاً بطولياً شجاعاً، بحيث مثَّل من خلاله نموذجاً أعلى في التمرد على الظلم والقهر، و أوج الحرية التي وجدت في الموت وسيلة لكي تحقّق ذاتها بشكل أقصى و أيضاً أكمل. بتعبير أوضح، أبى الحسين الاستسلام وصنع بموته مشهدية البطولة. وكأنما قيّد لهذه الأخيرة أن تجعل من الموت مطواعياً لها وليس العكس!.... وهذا ما يبيّن أن موت الحسين كان اكتمالاً لا فقداً و نقصاً، و تحقّقاً وإثباتاً لا نفياً وعدماً، و نجاحاً لا خسارة، و أيضاً بطولة وفروسية لا ضحية ومظلومية.
لقد حصل انتقال تدريجي من الحسين البطل إلى الحسين الضحية، ومن الشهادة باعتبارها فعل حرية إلى المظلومية بوصفها هوية. لم تعد كربلاء حدثاً تاريخياً محدوداً بظرفيته، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى منظومة عاطفية وانفعالية قائمة على استدامة الحزن وإعادة إنتاج الألم واستحضار الثأر، ليتخذ حضوره طابعاً سياسياً وعمقاً نفسياً يُسقَط على كل صراع وكل خلاف وكل أزمة. وبين السرد التاريخي عن الحسين والرواية اللاحقة "المعظّمة"، تظهر صورتان متعارضتان تماماً: صورة فارس مقدام يختار الصراع والمواجهة بالرغم من نتيجته القدرية المتمثلة في الموت، في مقابل صورة تظهر الحسين ضحية بريئة، بحيث تصنع السردية فيها من تضخيم الألم وإبراز الجزع والإنكسار وإعدام أخلاقي للقامع والظالم.
ولا نعزو هذا التحول إلى حدث كربلاء التاريخي، ولا إلى شخص الحسين الذي حرص على أن لا يقتصر أداؤه على تسجيل موقف سياسي رافض لسلطة البيعة بالإكراه، بل أراد أن يخلق مشهداً مكتمل الفصول كثيف الدلالة وثقيل الوقع على الضمائر، يقابل به مناخ الخوف والرعب وذهنية الطاعة المستلبة من كل وعي أو إرادة اختيار. جمع الحسين بين القوة والشجاعة والنبل والشرف، ورسم بقلّة عديده مشهداً تاريخياً موازياً ومكافئاً لمشهد الوجود المستلب أو المزيف. و رسّخ بذلك قيم الشرف والمباديء والبطولة، التي لا تساوم على قيمها حتى لو كان الموت وسيلة لتأكيدها.
ومن هذا المنطلق، لا تكمن المشكلة في الحسين نفسه، بل في السردية التي أُنتجت حوله. إذ لا تفرض واقعة كربلاء تلقائياً نزعة انتقامية أو عداءً للآخر، بل هي حصيلة خطاب تراكم في الأجيال وانتقل عبرها، فأضاف إلى الحدث درجات من التأويلات والأساطير والانفعالات تجاوزت الواقعة الأصلية، و تم من خلالها استبدال البطولة بالمظلومية، والاقتداء بالثأر، والفعل التاريخي الحُرّ بالانفعال العاطفي الدائم الذي أضحى يهيمن على جوانب الحياة ليست فقط النفسي والاجتماعي وإنما السياسي .
هو مشهد بتنا نحييه داخل سردية مناقضة لحقيقته ورسائله. وصحيح أن المضامين بقيت نفسها إلا أن التغيير قد نال المعنى والدلالة. لقد حصل تحول أو ميتامورفوز، لا لأحداث كربلاء وإنما لحقيقتها. وبتنا نتحدث عن حدث مختلف مع شخصياته المختلفة . انتقلت نقطة الإراتكار من أخلاق البطولة والفروسية ومشهدية الإصرار القيمي والإثبات الوجودي، إلى مسرحية الالم والحزن والجزع وانعدام الثقة بالمصير. و بذلك استدعي الحسين ضحية مأسوف على موتها، و مع مبالغة في تصوير حدث القتل وجريمة حز الرأس، واستحضار كل عناصر التجييش العاطفي مع التركيز المفرط على مأساة الأخت وحزنها الشديد على فقدان أخيها والموت المروع للأطفال الرضع.
لقد حقق الحسين بموته هذا الفيض ومعه هذا الإمتلاء. إلا أن ما حصل بعد واقعة كربلاء من تحول في سرديتها نال من روحيتها و مصداقيتها. و بدلاً من إظهار بطولة هذا الفارس الشجاع، تركزت الرواية حول إظهار جريمة الجاني في مقابل تضخيم دور الضحية. فتم اللجوء إلى توظيف قساوة المجرم الذي يستدعي بالطبع الإدانة على جريمته مع تناسٍ شبه كامل لموقف البطل الذي تقصّد أن يتغمّس بالدم وتتناثر أجساد تابعيه وأطفاله أشلاء في سبيل صناعة مشهد من البطولة والكرامة والنبل. وعلى هذا النحو، تحول الإحياء الكربلائي مع الوقت إلى خطاب إدانة وتضخيم لجريمة المجرم، فأغفل أو أنكر بطل الواقعة عبر جعله ضحية تستجلب الشفقة عليها و تحويله إلى موضوع رثاء و بكاء.
وإذا ما قاربنا أكثر ما جرى بعد الحسين، لوجدنا انقلاباً واضحاً و صريحاً من أخلاق البطل والفارس والنبيل إلى أخلاق الضغينة. و يتجلى الفرق بين الإثنتين في أن الأولى، أي تلك المتعلقة بالبطل الفارس، تنشأ من القوة والامتلاء والثقة بالنفس والشعور بالعظمة. وهي لا تنطلق من كره العدو بقدر ما تعني توكيد البطل لذاته وإظهار موقفه. بمعنى أوضح، يجسّد الموت بالنسبة إلى هذه الأخلاق مقصد إثبات لا نفي، و فعل بداية لا عدم. أما فيما يتعلق بأخلاق الضغينة، فهي تنشأ من الشعور بالعجز والندم وعدم القدرة على نصرة الحسين، والذي ينقلب إلى حقد متراكم، ويتجذّر من ثم قيمة أخلاقية يعيطها تفسيراً أخلاقياً. بتعبير أوضح، ينتقم بالقيمة نفسها بدلاً من ثأره بالفعل. و لأنه يعحز على أن يهزم، يعلن أن قوة هذا القوي شر وأن ضعفه هو فضيلة. و بذلك، تجتاح أخلاق الضغينة إلى عدو تكرهه وتدينه، وأيضاً تنفيه لتثبت نفسها، و تستنتج خيرها من شر عدوها.
ومن هذا المنطاق، يحصل قلب للقيم من خلال الضغينة، وتصبح القوة معها شراً وكبرياء وخطيئة، ويتحول الضعف إلى طهارة، والخضوع إلى تواضع. ويصير الشهيد سامٍ و عالٍ لا بسبب بطولته وإنما لتألمه و معاناته وما وقع عليه من ظلم.
وعلى هذا النحو، يأتي العجز ليقلب القيم، فتتحول "لا أستطيع أن أكون قوياً" إلى "أن أكون قوياً يعني شيئاً سيئاَ". هو قلب يغير طريقة التفكير تجعل الإنسان يعيد تفسير العالم بطريقة انتقامية، فلا يعود المرء يرى العالم كما هو، بل يفسره من خلال ألمه وحزنه، ليرى في كل قوة استكباراً، وفي كل امتياز ظلماً، وفي كل نجاح مؤامرة، وفي كل اختلاف تهديداً.
يكاد الحسين التاريخي ، بهذه السردية، أن يتلاشى لتتحكم بحقيقته رواية مستبدة في إيقاعها وتأويلها وتجييشها الوجداني وتحريضها العاطفي، تفرض نفسها وعياً جمعياً ومعالم هوية تستوجب الامتثال والطاعة، ويكون التشكيك في تأويلاتها وممارساتها مرادفاً للسقوط الأخلاقي ومدعاة للنبذ والطرد الجماعي.
في المحصلة، لا يعني عرض هذا الانتقال لوضعية الحسين من فارس إلى ضحية بريئة، الانتقاص من القيمة الروحية لعاشوراء ولا من مكانة الحسين، لكن لغرض الانتباه إلى أن واقعة كربلاء ما تزال تختزن في دلالاتها وقوة إثباتها أكثر ما قيل عنها، وما تزال تنتظر من يستنطق أفاق الحرية ورسالة الحياة فيها، لكن وفق سردية بديلة ومنطق تفكير مختلف، وأرضية قيمية أخرى.
-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية
نبض