لبنان الجمال والموسيقى
شرف أبو شرف
على الرغم من الحروب والأزمات الاقتصادية والانقسامات التي أثقلت كاهل لبنان خلال العقود الأخيرة، بقي هذا الوطن الصغير يحمل رسالةً حضارية تتجاوز حدوده الجغرافية. فمنذ فجر التاريخ، لم يكن لبنان مجرد مساحة على شاطئ المتوسط، بل كان منارةً للثقافة والفكر والفنون، وملتقى للحضارات، وموطناً للكلمة الحرة واللحن الجميل والإبداع الإنساني. ومن جبيل وصور وصيدا، حيث انتشرت الأبجدية إلى العالم، مروراً بعصر النهضة الأدبية والمسرحية والموسيقية، ووصولاً إلى الرحابنة وفيروز ووديع الصافي وزكي ناصيف ونصري شمس الدين ومرسيل خليفة، ظل لبنان يثبت أن قوته الحقيقية ليست في السلاح، بل في الإنسان المبدع، وفي الثقافة التي تبني ولا تهدم، وفي الفن الذي يوحد ولا يفرق.
ومن المؤسسات التي تجسد هذه الرسالة الحضارية المعهد الوطني العالي للموسيقى (الكونسرفتوار)، الذي بقي، رغم كل الظروف الأمنية والمالية والاجتماعية القاسية، واحداً من أهم الصروح الثقافية في لبنان والعالم العربي. فهذا المعهد لم يتخلَّ يوماً عن رسالته، بل واصل إعداد الأجيال، وصقل المواهب، ونشر الثقافة الموسيقية في مختلف المناطق اللبنانية، مؤكداً أن الفن حتى في زمن الأزمات، هو حاجة إنسانية تعيد للإنسان توازنه وأمله.
ولم يكن استمرار هذا الصرح ممكناً لولا الجهود الكبيرة التي بُذلت للحفاظ على الإرث مع وديع صبرا ووليد غلمية وغيرهم ممن آمنوا بأن الموسيقى لغة وطنية جامعة. وقد واصلت المؤلفة الموسيقية ورئيسة المعهد الوطني العالي للموسيقى، هبة القواس، هذه المسيرة بإيمان وإصرار، فعملت على تطوير الكونسرفتوار أكاديمياً وفنياً، وربطته بالمحيطين العربي والعالمي، وفتحت أمامه آفاقاً جديدة للتعاون والإبداع، مستندة إلى نخبة من الإداريين والأساتذة والموسيقيين الذين يشاركونها الشغف نفسه.
ولعل أجمل ما يقدمه الكونسرفتوار هو أنه يعيد اللبنانيين، ولو لساعات قليلة، إلى الحياة التي يشتاقون إليها. فقد أنهكتهم سنوات طويلة من الأزمات، حتى أصبحوا يبحثون عن فسحة جمال تعيد إليهم شيئاً من الطمأنينة. إنهم متعطشون إلى لقاءات ثقافية وفنية تجمعهم بعيداً عن لغة السياسة والحروب، حيث يستعيدون صورة لبنان التي يحبونها، لبنان الفرح والإبداع والانفتاح.
وقد تجلى ذلك بوضوح في الأمسية الموسيقية "مقامات الحنين"، التي أقيمت في الكنيسة الأرمينية الأولى في منطقة القنطاري في بيروت. فقد ازدحمت القاعة بجمهور جاء من مختلف الأعمار، باحثاً عن لحظة سلام وسط ضجيج الحياة. وساد المكان هدوء مهيب، اختلط فيه سحر الموسيقى بخشوع المكان، فكانت أمسية خاطبت الروح قبل السمع.
شارك في الحفل الأوركسترا الوطنية اللبنانية للموسيقى العربية، وكورال القسم الشرقي في الكونسرفتوار، بقيادة المايسترو عبد الله المصري، فيما تألقت بالغناء المنفرد كاترين غالي وكارلا الحاج، مقدّمين برنامجاً موسيقياً ثرياً جمع بين التراث اللبناني والعربي والأندلسي .
تنقلت الأمسية بين روائع خالدة مثل: "أنا لحبيبي"، و"إمتى حتعرف"، و"عصفور"، و"الحلوة دي"، و"ارجعي يا ألف ليلة"، و"لو كان قلبي معي"، و"أسوارة العروس"، وغيرها من الأعمال التي شكلت ذاكرة أجيال كاملة. كذلك، امتزج الشعر بالموسيقى، فحضرت كلمات محمد الفيتوري، والأخوين رحباني، وعنترة بن شداد، والنصوص الأندلسية، على ألحان الأخوين رحباني، ومرسيل خليفة، وسيد درويش، ومحمد القصبجي، في لوحة فنية أكدت غنى التراث العربي واتساع آفاقه.
لم يكن الجمهور مستمعاً فحسب، بل كان شريكاً في الحفل. راحت الوجوه تبتسم، والأصوات تردد الكلمات، وكأن الجميع يستعيد زمناً جميلاً افتقده طويلاً. كانت الموسيقى تنتصر على التعب، ويستعيد اللبنانيون، ولو لساعات، صورة وطنهم الذي عرفوه من قبل؛ وطن الفن والجمال والحياة.
لكن الحضور، على الرغم من انغماسهم في سحر الموسيقى، لم يكونوا بعيدين عن وجع الوطن. فعندما صدحت كارلا الحاج بأغنية "يا تراب الجنوب"، عاد الجنوب بكل ما يحمله من ذاكرة وتضحيات وحنين. ومع الكلمات "شو ما إجا شعوب، وشو ما راح شعوب، كلهم رح يفلوا... وبيبقى الجنوب".
اهتزت القاعة، ووقف كثيرون يرددون معها: "أنت بالعز مكتوب يا تراب الجنوب".
لم يكن ذلك مجرد تفاعل مع أغنية، بل كان تعبيراً صادقاً عن ارتباط اللبنانيين بأرضهم، وعن إيمانهم بأن الإنسان يبقى متمسكاً بوطنه مهما اشتدت المحن، وأن السلام هو الطريق الوحيد ليعود الجنوب، ويعود معه لبنان كله، إلى صورته التي يستحقها.
لقد أثبتت هبة القواس، مرة جديدة، أن الإدارة الناجحة ليست في المحافظة على مؤسسة فحسب، بل في تطويرها، وتوسيع حضورها، وحماية رسالتها الوطنية والثقافية. ففي زمن أغلقت فيه مؤسسات كثيرة أبوابها، بقي الكونسرفتوار يفتح أبوابه للموسيقى، وللأمل، وللأمل، وللمستقبل، ويؤكد أن الثقافة قادرة على مقاومة الانهيار، وأن الفن يبقى أحد آخر الحصون التي تحمي هوية لبنان.
كل الشكر لهبة القواس، ولكل العاملين في المعهد الوطني العالي للموسيقى، لأنهم يواصلون العزف من أجل لبنان؛ لبنان الذي لا تختصره الأزمات، بل يعرّفه إبداع أبنائه، ويظل، مهما اشتدت العواصف، وطناً يولد فيه الجمال من قلب المعاناة، وتبقى الموسيقى فيه لغة الرجاء التي لا تموت.
نبض