"بدّها روح يا رضا"

منبر 26-06-2026 | 09:25

"بدّها روح يا رضا"

يقول زياد الرحباني في إحدى مسرحيّاته لِعاملٍ في البار: "بدّها روح، يا رضا". لا يمكن أن نحيا بلا روح، بلا مسحة تجعلنا قادرين على إعطاء الحياة، على منح الحرِّيَّة، على وضع البسمة على ثغر الآخَر ...
"بدّها روح يا رضا"
تعبيرية
Smaller Bigger

إيلي جورج قنبر

 

 

 

1-الروح تُحيي
يقول زياد الرحباني في إحدى مسرحيّاته لِعاملٍ في البار: "بدّها روح، يا رضا". لا يمكن أن نحيا بلا روح، بلا مسحة تجعلنا قادرين على إعطاء الحياة، على منح الحرِّيَّة، على وضع البسمة على ثغر الآخَر ...
الروح هي كذلك "نسمة الحياة" نفخها الإلَه في الانسان. نعم، لقد قال الربّ: "أَجْعَلُ فِيكُمْ رُوحاً فَتَحْيَوْنَ، فَتَعْلَمُونَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ". وفي العهد الجديد "نَفَخَ" يسوع في تلاميذه وقال: "اقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ". وكان قد أفادهم قبلًا أنّ "الْكَلَامُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ هُوَ رُوحٌ وَحَيَاةٌ". الروح هي إذًا النسمة التي تُحيي الانسان وتُطلقه حُرّاً في رحاب الكون.
تلبّي الروح حاجة الانسان الفطرية للتأمل في الحياة، والبحث عن المعنى وعن الغايات الكبرى في الحياة مثل المعرفة والعطاء، وترك أثر إيجابي في المجتمع ، كما بـ"الاتصال بالخالق أو الكون". وهي بوصلَة السلوك الإنساني نحو القيم والأخلاق ومصدر الصفات النبيلة مثل الرحمة، الحب، العدل، والتسامح التي تُحقِّق للانسان السكينة والرضا الداخلي والاستقرار النفسي.
وإنّ الحياة بلا فكر - الوجه الآخَر للروح - إفلاس وتعرية للانسان. حين أتعلّم التفكُّر، أُتقن قراءة الحياة و"علامات الأزمنة". ما يعني أنّي غادرت الأُمِّيَّة وصرت موجوداً حقّاً: "أنا أُفكّر، إذاً انا موجود". ويُعدّ التفكُّر بمثابة "سراج القلب" الذي يرى به الإنسان طريقه. كما يُستخدَم التفكُّر كمَنهج تربويّ لبناء الشخصيّة المتكاملة تعزيزاً للثقة بالنفس والإبداع والتفكير المنطقيّ لدى أولادنا. ويساعد في تعديل سلوكهم وتطوير ذكائهم العاطفي وفق الأبحاث حول الدماغ.
2-"وَأَمّا بَنو ٱلمَلَكوتِ فَيُلقَونَ في ٱلظُّلمَةِ ٱلبَرّانِيَّة"
في نصٍّ إنجيليّ يُحدِّثنا عن قائدِ مئةٍ رومانيّ، نسمع الناصريّ يُعلن:" أَلحَقَّ أَقولُ لَكُم: إِنّي لَم أَجِد مِثلَ هَذا ٱلإيمانِ حَتّى وَلا في إِسرائيل!". الإشادة بإيمان رجلٍ وثَنيّ ليست أمراً عابراً أو ثانويّاً في وسط مجتمع يهوديّ عنصريّ ومنغلق على ذاته. كما لا بدّ من تسجيل نقطة إيجابيّة لمصلحة ذاك المجتمع الذي يُشير النصّ إلى تعاطفه مع قائدٍ عسكريّ لجيش محتلّ لفلسطين آنذاك، ويعترف بأنّه "يحبّ أمّتنا وساهم في بناء مجمعنا".
بالمُوازاة، يُبادر يسوع إلى القَول: "إِنَّ كَثيرينَ يَأتونَ مِنَ ٱلمَشارِقِ وَٱلمَغارِبِ، وَيَتَّكِئونَ مَعَ إِبرَهيمَ وَإِسحَقَ وَيَعقوبَ في مَلَكوتِ ٱلسَّمواتِ، وَأَمّا بَنو ٱلمَلَكوتِ فَيُلقَونَ في ٱلظُّلمَةِ ٱلبَرّانِيَّة". إعلان المسيح هذا خطير وقويّ هزّ كَيان اليهود وأدخله في صراع مرير معهم، ما أدّى إلى الحُكم عليه بالموت.
ما الذي جعل يسوع يُعجَب بقائد المئة ويسجّل هدفاً مهماً لمصلحته في مرمى اليهود؟ هناك أكثر من عنصر يجعلنا نفهم إعجاب الناصريّ به والاعتراف بفرادة إيمانه غير المسبوق عند اليهود انفسهم.
نحن أمام حالة فريدة لرجل هو صورة لا تقارَن للمؤمن:
1-فهو يهتمّ لحياة الآخَرين ولرأيهم. ما يبرِّر وجود وسطاء يهود يكلِّمون يسوع بشأن علام القائد الرومانيّ، وهذا أمر غير مسبوق. من هنا نرى أن على يسوع ان يجتاز حواجز دينيّة واجتماعيّة ليلبّي طلبه.
2-ولديه أصدقاء كوَّن معهم شبكة علاقات، يمكنه من خلالها الاعتماد عليهم. فرغم كونه عسكريّاً ورومانيّاً، لم يعزل نفسه في نوع من القدرة الكلِّيَّة المهيمِنة التي تمنعه عن الآخرين أو تجعله مكتفياً بذاته. لذا، فانقياد وفد ثانٍ من أصدقاء القائد إلى يسوع يعبّر عن حوافزه الشخصيّة وعن إيمانه العميق هو غير المستحقّ (κανόςἱikanos,). 
3-يعترف هو الوثنيّ غير المختون والنجس بالمسافة بينه وبين يسوع اليهوديّ الجليليّ. إنّه يشعر بالدونيّة أمام سلطان يسوع. لا بل هو يؤكّد سلطان يسوع عليه: "لي جند تحت يدي"... وهكذا يعترف بأن يسوع ليس مجرّد شافٍ أو صانع عجائب بل شخص يمكن أن يشفي خادمه بكلمة منه. أي يعترف بمسيحانيّة يسوع ويستبق سلفاً الايمان بالمسيح. وهو يعتقد أنّ
الله لا يأبه له. لذلك قال: "لست مستحقّاً"... لا بل اعتبر أن ليس من حقّه ملاقاة يسوع - الشخص الأهمّ، وبِذا أظهر تواضعاً لافتا.ً
في متّى نجد أن قائد المئة برهن عن إيمانٍ (إستثنائيّ لحصول خادمه ςῖπα 11pais أو طفله على الشفاء) لأنّه فهِم أنّ قدرة الشفاء عند يسوع تتجاوز قدرة الامبراطوريّة الرومانيّة التي يُمثِّل، لا بل اعتبر أنّ كلمة يسوع البسيطة تكفي لتحويل الواقع عن بُعد، دون حاجته للاستعانة بطقوس أو للانتقال مكانيّاً. ما يوحي أن سلطة يسوع خلّاقة ومُطلَقة بالنسبة إلى القائد. وإذا أمعَنّا البحث، فنجد أنّه يؤمن بقوّة الكلمة. "قل كلمة"... إنّه يؤمن بالقوّة الخلاصيّة لكلمة يسوع. وكثُر يشاركونه هذا الرأي. وهو أوّل مَن آمن بقدرة كلمة يسوع الشفائية ربطاً بعلاقة يسوع بالآب واهب الحياة (يتلقّى منه كلّ شيء)، ما يجعلني أؤمن بأنّي أتلقّى حرّيّتي هبةً منه. كما يكمن إعجاب يسوع أيضاً بتواضع القائد من أجل إنقاذ خادمه وليس من أجل اعترافه به كصاحب سلطان عليه وحسب.
بالعودة إلى طرح يسوع الانقلابيّ بشأن مصير "بني الملكوت"، لم يقم اليهود الحاضرون بأي ردّة فعل سلبيّة لحظويّاً، لأنّ الوفد الذي حضر متشفِّعاً لمساندة قائد المئة كان يرى فعليّاً ضرورة ملاقاته بعمل رحمة من ممثِّل "الإله الحقيقيّ وَحده". بالطبع لم يكن الوفد اليهوديّ المُساند في وارد سماع كلام قويّ وصادم كهذا: "إِنَّ كَثيرينَ يَأتونَ مِنَ ٱلمَشارِقِ وَٱلمَغارِبِ، وَيَتَّكِئونَ في مَلَكوتِ ٱلسَّمواتِ". لكن كان لا بدّ لليهوديّ من أن يخرج من الشرنقة إلى رحاب التحوّل الخلاّق ومن حلقة الموت إلى حلقة الحياة، وقد فعل الناصريّ ما يجب لتحريره.
لم يعطنا لوقا اسم القائد، وكأنّي به يدعوني لأتشبّه به عبر حمل الصفات الانسانيّة الثلاث التي يتمتّع بها. وكأنّي به يدعوني إلى الاعتراف بأنّ يسوع هو الرجُل الأكثر حرِّيَّةً لأنّه يُتمِّم مشيئة الاب. بعد التوقف عند نصّ شفاء خادم قائد المئة، هل أشعر بانّي أكثر حرِّيَّةً لأنّي أتمِّم مشيئة الآب وإبنه الذي أرسلني؟

العلامات الدالة

مواضيع ذات صلة

6/4/2026 9:32:00 AM

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 6/24/2026 9:19:00 PM
مثل اليوم الأربعاء أمام محكمة بانكستاون في أستراليا لنفي اتهامات تتعلق بقضية عنف أسري.
شمال إفريقيا 6/23/2026 10:35:00 PM
بعد سنوات من الجدل القضائي... تنفيذ حكم الإعدام بحق "فتاة بورسعيد"