الإقامة الذهبية في لبنان... بين الزفت والتمنيات

منبر 25-06-2026 | 12:32

الإقامة الذهبية في لبنان... بين الزفت والتمنيات

في زمنٍ أصبح فيه لبنان يعاني من انهيارات متتالية في كافة قطاعاته الحيوية، يطل علينا نواب أمتنا بمبادراتٍ تسويقيةٍ أقل ما يقال فيها احتيالية يرونها حلولاً سحريةً لأزمةٍ وجوديةٍ تعصف بالبلد
الإقامة الذهبية في لبنان... بين الزفت والتمنيات
تعبيرية
Smaller Bigger

المحامي الفرد نصار غلمية (محام في قضايا الهجرة والجنسية الأميركية)

 

 

 

في زمنٍ أصبح فيه لبنان يعاني من انهيارات متتالية في كافة قطاعاته الحيوية، يطل علينا نواب أمتنا بمبادراتٍ تسويقيةٍ أقل ما يقال فيها احتيالية يرونها حلولاً سحريةً لأزمةٍ وجوديةٍ تعصف بالبلد، ومن بين هذه "الحلول" تأتي دعوات منح "الإقامة الذهبية" للمستثمرين الأجانب، وكأننا في دولةٍ تتوفر فيها مقومات الاستثمار الأساسية، وكأن الأجنبي الذي يدفع مئات الآلاف من الدولارات سيحصل على المن والسلوى والارباح الوفيرة. يكفي ان تسألوا خلف الحبتور وغيره من المستثمرين الأجانب عن تجاربهم في لبنان.
فاذا ما قارنّا بعض ما هو مطروح على الساحة الدولية يتبين ان أوروبا تتجه نحو تقليص برامج الإقامة الذهبية بسبب محدودية الفوائد وارتفاع أسعار العقارات. فالبرتغال مثلاً أنهت مسار الاستثمار العقاري لكنها ما زالت تقدّم خيارات استثمارية أخرى مع متطلبات إقامة بسيطة وحرية التنقل والعمل في الاتحاد الأوروبي وما يتبعها من إعفاءات من الحصول على تأشيرات لعدد من الدول. اما إسبانيا وإيرلندا فأنهتا برامج الإقامة الذهبية نهائياً. إيطاليا تركز على الاستثمارات الاستراتيجية بدل العقارات، أما اليونان فتتطلب شراء عقارات أو القيام باستثمارات مالية. رجاء مراجعة مقال Sofia Horta e Costa, Paul Tugwell and Alessandra Migliaccio, Bloomberg  منشور في الـ The Economic Times بتاريخ 22 أيلول 2025. 
بالمقابل تسعى الولايات المتحدة لفتح مسارات جديدة للأثرياء عبر بطاقة ترامب الذهبية، تعتمد على هبة مالية "مليون دولار" للدولة الاميركية مقابل الإقامة، دون اشتراط خلق وظائف أو استثمار فعلي كما هي الحال في الهجرة عبر الاستثمار EB-5. رجاء مراجعة trumpcard.gov
اما الإمارات فالمادة الرابعة (4) من قرار مجلس الوزراء رقم (56) لسنة 2018 في شأن تنظيم تصاريح الإقامة للمستثمرين ورواد الأعمال وأصحاب المواهب التخصصية اشترطت لمنح تصريح إقامة للمستثمر في الاستثمارات العامة أن تكون لديه استثمارات في الدولة بقيمة اجمالية لا تقل عن 10 ملايين درهم أو في عقار أو أكثر بقيمة اجمالية للأصل العقاري لا تقل عن 5 ملايين درهم إضافة إلى شروط أخرى.
أما في لبنان فكان الأجدى من المسؤولين اللبنانيين تأخير اقتراحات كهذه لإنجاحها إلى حين توفر الحد الأدنى المطلوب لجلب الاستثمارات. من جهة أخرى هل درس هؤلاء الانعكاسات السلبية من شراء المستثمرين الأجانب للعقارات على ارتفاع أسعارها وعدم قدرة اللبناني على شرائها فهذا ما دفع المشرع الأوروبي للابتعاد عنها في وقت لاحق. لنكن صريحين، كيف يمكننا استقطاب مستثمر أجنبي إلى بلدٍ تعجز فيه الدولة عن توفير أبسط الخدمات والاستقرار الأمني؟ فالمواطن اللبناني يعيش في العصر الحجري معاناة يومية مع انقطاع التيار الكهربائي لساعاتٍ طويلة، واضطراره لشراء اشتراكات المولدات الخاصة التي تستنزف مدخراته وصحته، وانقطاع المياه إلا لشركات نقل المياه، وضعف خدمات الإنترنت والاتصالات، وسرقة الودائع والاستثمارات من قبل مصارفه من دون رقيبٍ أو حسيب، والكسارات التي شوهت جباله الخضراء في بلد أشبه بسوقٍ للمافيات والعصابات المتنفذة التي تتحكم بمفاصل الاقتصاد والسياسة، فالمستثمر الأجنبي سيُصدم بواقعٍ مريرٍ من المعلومات المغلوطة والرشاوى والعمولات غير القانونية، والموافقات المشروطة، والمزايدات المزورة، والنفوذ الذي يعلو على القانون والقضاء. فيكفي أن يرى المستثمر كيف عرّيتم شعبه من ماله وصحته وعلمه ولباسه ومنزله وعمله. وكيف له أن ينجح في بيئةٍ تنعدم فيها الشفافية ولا تمنحه لا أمناً ولا استقراراً ولا بيئةً خصبةً لعملٍ اقتصادي ناجح. بدلاً من التفكير في إقاماتٍ وهميةٍ لجذب مستثمرين خياليين، على المسؤولين اللبنانيين أن ينظروا في المرآة ويعترفوا بحجم الكارثة التي حلّت ببلدهم، وأن يعملوا بجديةٍ على إعادة بناء الدولة ومؤسساتها بتعليق المشانق لأكثر من 3500 مجرم قتلوا ما يزيد عن 100،000 لبناني ونهبوا خيراته منذ 1975 ولغاية الآن من سياسيين وصيرفيين ومقاولين ومدعين عامين وجنرالات ومدراء وسفراء ورؤساء أحزاب فاسدين الخ... وفرض القانون بالقوة والعدل لا بالاستجداء وحل الميليشيات والأحزاب وتغيير الدستور وإنشاء نظام عصري متطور وتأمين الخدمات الأساسية لشعبهم قبل التفكير بجذب الأجانب. إنها إقامةٌ في جحيمٍ من الانقطاعات والتضخم والانفلات الأمني والحروب، ما يجعلها أقرب إلى العقاب منها إلى التكريم.  إن تسمية هذه الإقامة بـ"الذهبية" هي سخريةٌ من عقلية المستثمر ومن واقعه، فهي ليست سوى إقامةٍ "زفتية" تمنحه حق البقاء في بلدٍ يئن تحت وطأة الأزمات. إن أسهل الطرق للنهوض بالاقتصاد هي إعادة أموال المودعين ودفع سندات الخزينة في المرحلة الأولى للأفراد حصرا ً لبنانيين كانوا أم أجانب.  

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

شمال إفريقيا 6/23/2026 10:35:00 PM
بعد سنوات من الجدل القضائي... تنفيذ حكم الإعدام بحق "فتاة بورسعيد"
آراء 6/24/2026 2:11:00 PM
عندما يصبح السكن، وهو أبسط حقوق الإنسان، خاضعاً لاختبار الهوية، فإن المشكلة لا تكون في شقة للإيجار، بل في وطن لم ينجح بعد في استئجار مساحة مشتركة لأبنائه جميعاً.
النهار تتحقق 6/23/2026 9:29:00 AM
بدا الرئيس الأميركي دونالد ترامب رافع الرأس بفخر. وكُتب على صورته Thanks USA، اي شكراً الولايات المتحدة الأميركية.
لبنان 6/24/2026 9:11:00 PM
مصدر أمني سوري لـ"النهار" ينفي وجود حشود على الحدود مع لبنان