حين يصبح الرجل وطنا

منبر 25-06-2026 | 09:13

حين يصبح الرجل وطنا

في عالمٍ يتبدّل على نحوٍ يكاد يُربك الذاكرة، حيث تتغيّر الوجوه أسرع من الفصول، وتتراجع اليقينيّات أمام سيل التحوّلات العاصفة، يبقى ثمّة ما يقاوم الزمن في صمت مهيب، عصيّ على الأفول، متوشّحٌ بالوقار. يبقى ثمّة ما لا تسقطه الأزمات ولا تزعزعه الرياح مهما اشتدّت. تبقى الأبوة.
حين يصبح الرجل وطنا
تعبيرية
Smaller Bigger

جان مارك زغيب 

 

 

في عالمٍ يتبدّل على نحوٍ يكاد يُربك الذاكرة، حيث تتغيّر الوجوه أسرع من الفصول، وتتراجع اليقينيّات أمام سيل التحوّلات العاصفة، يبقى ثمّة ما يقاوم الزمن في صمت مهيب، عصيّ على الأفول، متوشّحٌ بالوقار. يبقى ثمّة ما لا تسقطه الأزمات ولا تزعزعه الرياح مهما اشتدّت. تبقى الأبوة.
وليس الأب، في جوهر معناه، رجلاً فحسب.
فلو كان الأمر كذلك، لما بقيت صورته حيّةً في وجدان الإنسانية منذ أن تعلّم الإنسان الأول كيف يروي الحكايات لأبنائه حول النار، ولما تحوّل حضوره إلى إحدى أكثر الحقائق رسوخاً في الذاكرة البشرية.
الأب فكرةٌ قبل أن يكون شخصاً، قيمةٌ قبل أن يكون اسماً، وأيقونةٌ إنسانية تتجلّى فيها معاني الإباء والسُّؤدد والمروءة، حتى ليغدو حضوره أشبه بنبراسٍ أخلاقيٍّ يهدي القلوب قبل العقول، وسادنٍ أمينٍ لقيمٍ تتوارثها الأجيال دون ضجيج.
الأب حالةٌ إنسانية تتجاوز حدود القرابة والدم، لتصبح شكلاً من أشكال العطاء المطلق الذي لا ينتظر مكافأة، ولا يطلب اعترافاً، ولا يسعى إلى مجدٍ شخصي.
إنه ذلك الإنسان الذي يقضي أجمل سنوات عمره وهو يبني ما قد لا يسكنه، ويزرع ما قد لا يحصد ثماره، ويشقّ طرقاً يعلم أن آخرين سيعبرونها بعده. وما من مفارقةٍ أبلغ من هذه: أن يُقاس نجاح الأب غالباً بمقدار ما ينساه أبناؤه من تضحياته، لأنّها ذابت في نسيج حياتهم حتى صارت بديهيةً لا تُرى.
إنّ أكثر ما يثير التأمّل في الأبوة أنّها المهنة الوحيدة التي لا تعرف التقاعد. قد يشيخ الجسد، وقد يضعف التجلّد أمام الزمن، لكنّ القلب يبقى متوثّباً، جلداً، متسامقاً في عطاءٍ لا يخبو. فالأب لا يتوقّف عن القلق، بل يتحوّل قلقه إلى طقسٍ خفيّ من الحب، إلى إرثٍ وجدانيٍّ يسبق الكلمات.
ولعلّ أجمل ما في الأبوة أنّها الفنّ الأرقى للاختفاء النبيل، حيث الأب لا يجيد الإعلان عن بطولاته. فهو يمارس أريحيّته في الخفاء، ويخفي أُبَّهته داخل صمتٍ نبيل. كم من أبٍ أرجأ حلماً كي يفسح المجال لحلم ابنه؟ وكم من أبٍ خبّأ انكساراته كي لا تمسّ هشاشة أحبّائه؟ وكم من أبٍ حمل من الهموم ما لو وُزّع على جماعةٍ لأثقلها، ثم خرج إلى أسرته بوجهٍ مطمئن، ساكن الملامح، كأنّ شيئاً لم يكن؟.
فالأب الحقيقي لا يقف عادةً في واجهة المشهد، بل يختار الظلّ لكي يلمع أبناؤه في الضوء. يذوب في نجاحاتهم حتى يكاد يُنسى دوره، ويمنحهم من عمره ما يجعلهم يظنون أنّ ما وصلوا إليه كان أمراً طبيعياً، بينما كان في الحقيقة حصيلة سنوات طويلة من التعب والقلق والتضحية. إن مأساة الأب الجميلة تكمن في أنّ أعظم أعماله هي تلك التي لا يراها أحد. فالعالم يحتفي بمن يعتلون المنابر، ويصفّق لمن تصنعهم الأضواء، أمّا هو فيمارس بطولته اليومية بعيداً عن التصفيق
كانوا فرساناً مجهولين في ملحمة البقاء؛ لا تُعلّق على صدورهم الأوسمة، ولا تُشاد لهم المنابر، غير أنّ آثارهم كانت من الرسوخ بحيث تعجز السنون عن محوها من الذاكرة الجماعية.
ومنذ فجر الحضارات، لم تكن الأبوة وظيفةً أو علاقةً بيولوجية فحسب، بل كانت رسالةً أخلاقية، ومعراجاً إنسانياً نحو ما هو أسمى. فالأب هو أول من يعرّف الطفل إلى معنى الالتزام، وأول من يضعه أمام معادلة الحرية والمسؤولية، وأول من يعلّمه أنّ الكرامة ليست ترفاً، وأنّ الصدق ليس خياراً، وأنّ العمل ليس عقوبة بل طريقٌ إلى تحقيق الذات.
ولهذا، فإن الأمم لا تُبنى في المؤسسات وحدها، بل في البيوت أيضاً، في تلك اللحظات الصغيرة التي تتشكّل فيها الضمائر قبل العقول، وتُغرس فيها السجايا قبل المعارف ويعلّم فيها أبٌ ابنه احترام الكلمة، أو يزرع في قلبه الشجاعة، أو يورّثه الإيمان بأنّ الإنسان يُقاس بما يعطي لا بما يملك.
وإذا كان التاريخ مولعاً بتخليد أسماء الملوك والقادة، فإنه كثيراً ما يغفل أن وراء كلّ مسارٍ ناجح أباً صامتاً، علّم، واحتمل، واحتجب، ثم ترك لأبنائه حقّ الظهور. فإنّه كثيراً ما ينسى أنّ وراء كلّ رجلٍ عظيم أباً علّمه كيف ينهض بعد السقوط، ووراء كلّ امرأةٍ استثنائية أباً أقنعها أنّ السماء لا تُقاس بعلوّها بل بقدرة الإنسان على بلوغها.
وفي لبنان، تكتسب صورة الأب معنىً إضافياً وبُعداً أكثر كثافةً وعمقاً.
ففي وطنٍ عرف من الحروب والأزمات والانهيارات ما يكفي لاختبار صبر أجيالٍ بأكملها، وقف الآباء على خطوط المواجهة الأولى مع الحياة.
واجه بعضهم أهوال الحرب.
وواجه بعضهم قسوة الفقر.
وواجه آخرون مرارة الانهيار الاقتصادي وثقل الهجرة ووجع الفراق.
لكنّهم جميعاً اشتركوا في شيءٍ واحد: الإصرار على أن تبقى عائلاتهم واقفةً رغم العواصف.
ففي وطنٍ تعاقبت عليه المحن حتى غدت جزءاً من تفاصيله اليومية، وقف الآباء على تخوم الألم، يواجهون الحرب حيناً، والفقر حيناً، والانهيار حيناً آخر، لكنهم ظلّوا ممسكين بخيطٍ رفيعٍ من الرجاء، كأنهم يحرسون المعنى الأخير للاستمرار.
لقد عرف لبنان آباءً لم تُكتب أسماؤهم في كتب التاريخ، لكنّهم كانوا، في الحقيقة، من صنّاع الصمود الحقيقيين.
رجالاً كتبوا ملاحمهم اليومية على دفاتر الأقساط المدرسية، وفواتير الدواء، وموائد الطعام المتواضعة التي حرصوا أن تبقى عامرةً بالكرامة مهما اشتدّت الحاجة.
كانوا جنوداً بلا أوسمة.
وأبطالاً بلا خطبٍ احتفالية.
وحراساً مجهولين لبيوتٍ صغيرة كانت بالنسبة إليهم بحجم وطن.
غير أنّ الأبوة ليست بطولة القوة وحدها، بل أيضاً بطولة الضعف النبيل. فالأب الحقيقي ليس الذي لا ينهار، بل الذي يتجلّد كي لا يرى أبناؤه انكساره. وليس الذي لا يخاف، بل الذي يحوّل خوفه إلى حمايةٍ صامتة، إلى سكينةٍ وارفة تُخيّم على البيت من دون أن تُقال. وليس الذي لا يبكي، بل الذي يحوّل دموعه إلى صلاةٍ صامتة كي لا تنكسر قلوب من يحبّهم. وليس الذي يملك جميع الإجابات، بل الذي يظلّ يبحث عنها كلّ يوم من أجل أبنائه.
إنها مزيجٌ من الوقار والتعب، من الأريحية والكتمان، من السكينة والقلق، من الحبّ الذي لا يرفع صوته لأنه أكبر من الصوت نفسه.
ولعلّ الأبوة هي المعجزة اليومية الوحيدة التي تتكرّر من دون أن ينتبه إليها أحد. فهي ذلك السرّ المودَع في قلب الإنسان، يجعله يقتات من تعبه ليُشبع غيره، ويستعذب السهر لتنام العيون التي يحبّها مطمئنّة. وكأنّ الأب شجرةٌ أثيلة، جذورها في الأرض وامتدادها في السماء، تمنح الظلّ ولا تطلب شيئاً في المقابل، إلا أن تبقى واقفة.
إنه الإرث الوجداني الذي لا يُورَّث بالكتب، بل بالمحبة.
ومن هنا، يصبح عيد الأب أكثر من مناسبة عائلية عابرة.
إنّه لحظة تأمّل في معنى الامتنان ذاته.
فكيف يمكن اختصار عقودٍ من السهر والتعب والخوف والتضحية في كلمة شكر؟
وكيف يمكن لهديةٍ مهما عظمت أن توازي سنواتٍ من العطاء الصامت؟
الحقيقة أنّ بعض الديون الإنسانية لا تُسدَّد.
إنّها أكبر من الحساب.
وأعمق من الكلمات.
وأسمى من أن تختصرها مناسبة واحدة في السنة.
لكنّ الاعتراف بها يبقى واجباً أخلاقياً وإنسانياً.
وحين نتقدّم في العمر، ونظنّ أنّنا أصبحنا أكثر استقلالاً وخبرةً بالحياة، نكتشف حقيقةً مدهشة.
نكتشف أنّ الأب لا يغادرنا أبداً.
يبقى في نبرة أصواتنا.
وفي بعض ملامح وجوهنا.
وفي القيم التي ندافع عنها دون أن نشعر.
يبقى في طريقة مصافحتنا للناس، وفي احترامنا للكلمة، وفي قدرتنا على النهوض بعد كلّ تعثّر.
وكأنّ الأبوة لا تُورَّث بيولوجياً فقط، بل تُورَّث روحياً أيضاً.
فالأب ليس مرحلةً من العمر نعبرها ثم نتركها خلفنا.
إنّه جذرٌ يمتدّ في أعماقنا حتى بعد أن نشيخ.
وصوتٌ يرافقنا حين تضيع الأصوات.
ونورٌ نهتدي به حين تتكاثر العتمات.
ولهذا، فإن الاحتفاء بالأب ليس تكريماً لشخصٍ بعينه فحسب، بل احتفاء بإحدى أنبل الفضائل الإنسانية: فضيلة العطاء الذي لا ينتظر مقابلاً.
ذلك العطاء الذي يجعل الإنسان يجد معنى وجوده في نجاح غيره، وفرحه في فرح غيره، ومستقبله في مستقبل غيره.
ولعلّ أجمل ما يمكن أن يُقال في عيد الأب أنّ بعض الرجال أكبر من أن تختصرهم الكلمات.
فالأيدي التي أمسكت بأيدينا في طفولتنا لا تفلتنا حقاً.
تبقى ممسكةً بنا بطريقةٍ أو بأخرى حتى آخر العمر.
وإذا كان الوطن هو المكان الذي يمنح أبناءه الأمان والانتماء والهوية والقدرة على الحلم، فإنّ الأب هو الوطن الأول.
وطنٌ لا تُرسم حدوده على الخرائط، بل في القلوب.
ولا تُرفع فوقه الرايات، بل تُرفع له رايات المحبة والوفاء.
وحين يرحل بعض الآباء، لا يغيبون.
إنّهم يتحوّلون من حضورٍ يُرى إلى نورٍ يُهتدى به.
ومن صوتٍ يُسمع إلى ضميرٍ يُصغي إليه القلب.
ومن رجلٍ أحببناه...
إلى وطنٍ نسكنه ما حيينا.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

شمال إفريقيا 6/23/2026 10:35:00 PM
بعد سنوات من الجدل القضائي... تنفيذ حكم الإعدام بحق "فتاة بورسعيد"
آراء 6/24/2026 2:11:00 PM
عندما يصبح السكن، وهو أبسط حقوق الإنسان، خاضعاً لاختبار الهوية، فإن المشكلة لا تكون في شقة للإيجار، بل في وطن لم ينجح بعد في استئجار مساحة مشتركة لأبنائه جميعاً.
النهار تتحقق 6/23/2026 9:29:00 AM
بدا الرئيس الأميركي دونالد ترامب رافع الرأس بفخر. وكُتب على صورته Thanks USA، اي شكراً الولايات المتحدة الأميركية.
لبنان 6/24/2026 9:11:00 PM
مصدر أمني سوري لـ"النهار" ينفي وجود حشود على الحدود مع لبنان