بين مرفأي بيروت وجدَّة: لبنان عربي الانتماء والهوية
سيريل سلوم
بعد توجيه مَلَكي صادر عن ولي عهد المملكة العربية السعودية ورئيس مجلس وزرائها الأمير محمد بن سلمان، أعلنت السعودية إستئناف الصادرات اللبنانية الى المملكة بعد خمس سنوات على قرار الحظر في 23 نيسان 2021 وذلك نتيجة ضبط شحنات كبيرة من لبنان إستخدمت لتهريب المخدرات وتحديداً "الكبتاغون" المخفية داخل المنتجات الزراعية اللبنانية.
هذا القرار السياسي والاقتصادي يشكل مرحلة مفصلية، ذات أهمية تفوق البعد الاقتصادي فحسب. فمن ناحية إقتصادية إعادة فتح الأسواق الخليجية وتحديداً سوق المملكة العربية السعودية يشكل نافذة اقتصادية وفرصة نمو مهمة للبنان، إذ كان قبل قرار الحظر عام 2021 يصدر الى المملكة منتجات بقيمة نصف مليار دولار، وفق أرقام وزير الإقتصاد عامر البساط الذي شدّد خلال حفل انطلاق أوّل شحنة تصديرية من مرفأ بيروت إلى ميناء جدَّة في 20 حزيران، على أهمية هذه الخطوة على الاقتصاد اللبناني خصوصاً أن اقتصاد المملكة قد إرتفع أضعافاً على ما كان عليه قبل قرار الحظر. وتأتي هذه الخطوة تحقيقاً لخطاب قسم رئيس الجمهورية العماد جوزف عون في 9 كانون الثاني 2025 عندما تطرق إلى إقامة "أفضل العلاقات مع الدول العربية"، مؤكداً "ألا نصدّر إليها سوى أفضل ما لدينا من منتجات وصناعات"، وهو ما شدّد عليه رئيس الحكومة نواف سلام في كلمته خلال حفل الانطلاق إذ أعلن صراحةً أن الدولة اللبنانية "لن تسمح إطلاقاً أن يعود لبنان منطلقاً لأي ضررٍ يلحق بأشقائنا العرب بل سيكون شريكاً في أمنهم واستقرارهم وازدهارهم".
قرار رفع الحظر عن الصادرات اللبنانية يكتسب بعداً سياسياً وإستراتيجياً يوازي الفائدة الاقتصادية والتجارية بل أيضاً يتعداها أهميةً وقيمةً لما له من دلالات سياسية. فقبل انطلاق العهد الرئاسي الرابع عشر في تاريخ لبنان، كان الدعم السعودي لقائد الجيش آنذاك العماد جوزف عون واضحاً، إذ كانت المملكة السعودية بواسطة اللجنة الخماسية تعمل مع الأفرقاء اللبنانيين على إنهاء الفراغ الرئاسي بانتخابه رئيسا للجمهورية. وبدا الدعم للعهد كبير عندما توجه الرئيس في أوّل محطة خارجية له بعد انتخابه الى المملكة للقاء ولي العهد في آذار 2025 بحيث بحثا في مختلف الملفات اللبنانية – السعودية وفي مقدمها رفع الحظر. لكن بقية العبرة في قدرة الدولة اللبنانية على تحقيق الإصلاحات المطلوبة وبسط سلطانها على أراضيها كاملة.
ربط رفع الحظر السعودي على أنه مجرد نتيجة تركيب أجهزة المسح الحديثة (سكانر) في مرفأي بيروت وطرابلس هو تضليل للحقيقة، وانتقاص من إنجازات الدولة اللبنانية الجديدة. فقرار إعادة الصادرات اللبنانية الى السعودية يندرج ضمن إطارٍ أوسع ونتيجة تكامل العمل السياسي اللبناني السيادي بقيادة رئيس الجمهورية وحكومة "الإصلاح والإنقاذ" على جميع الصُّعُد: من خلال سياسة خارجية سيادية واضحة وجريئة، منفتحة على العالم العربي، تعمل مع الشركاء الأجانب من أجل تأمين المصلحة اللبنانية، ولا عيب عندها من التفاوض المباشر مع إسرائيل لحماية البلاد... من خلال قرارات وزارية تؤكد حق الدولة في احتكار حمل السلاح وأنه لا يحق لأحد أن يدفع لبنان نحو حروبٍ عبثية تنفيذاً لأجنداتٍ خارجية ومشاريعٍ جيوسياسية لا مصلحة للبنان فيها... من خلال العمل على مكافحة الفساد وهو ما عكسه مؤشر الفساد لدى منظمة الشفافية الدولية لعام 2025 إذ تحسن تصنيف لبنان... من خلال سياسة إنمائية ونظرة تطويرية لا عقدة لديها من القطاع الخاص لتحقيق الإنماء المتوازن ودعم البنية التحتية وآخر خطواتها تأهيل مطار القليعات...
من ناحية قانونية ودستورية، تأتي هذه الخطوة تنفيذاً للمبادئ العامة والإصلاحات المنصوص عنها في إتفاق الطائف والنصوص الدستورية. فتنص الفقرة "ب" من مقدمة الدستور المضافة بعد إقرار وثيقة الوفاق الوطني عام 1990 على أن "لبنان عربي الهوية والانتماء...". والقرار السعودي رسالة واضحة: لبنان على طريق التعافي وهو يستعيد مكانته العالمية ووزنه العربي مع إعادة بناء الدولة وانتظام مؤسساتها. ولبنان هو وطن الرسالة الذي لن يتحقق سوى بواسطة دولة قوية ليكون الرابط بين الشرق والغرب، وهذا اللبنان هو من مؤسسي جامعة الدول العربية والذي مثل العالم العربي خير تمثيل في المحطات الدولية البارزة، وأهمها رئاسته مجلس الأمن عام 2010 ودوره الأساسي في صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. من هنا يأتي القرار السعودي تتويجاً للجهود والخطوات الإيجابية اللبنانية لإعادة لبنان تدريجاً الى حضنه العربي، فضلاً عمّا تمثله الهوية العربية للبنان من ملاذ عن الصراعات الإقليمية والحروب التي تفوق حجمه، إضافة الى أن قدراته ومصالحه ضمن إطار الإجماع العربي.
إذا، يمثل قرار رفع الحظر، خطوة أساسية نحو إعادة انفتاح لبنان على محيطه العربي وفرصة نمو اقتصادي حقيقية بدخول المنتجات اللبنانية الى الأسواق الخليجية بما يساهم في انتعاش القطاعات الزراعية والصناعية. لكن لا تزال التحديات أمام الدولة جسيمة والاكتفاء بهذه الخطوة خطأُ أستراتيجي لبناني لن يؤدي سوى الى إضاعة هذه الفرصة فتشبه حينها كل أسلافها، لكن الفرق مع من سبقوها: أن لا مجال بعد اليوم لإضاعة مزيد من الوقت وإهدار الفرص. فاستكمال الإصلاحات خطوة إلزامية ضرورية لرفع جميع المحظورات عن لبنان من حظر السفر إليه الى حظر الاستثمار فيه، ليعود لبنان الى مكانته العالمية وتستعيد الدولة وقارها وهيبتها... فالمعضلة واحدة وبسيطة لكنها مصيرية: إما بناء الدولة باستثمار الفرص والتموضع العربي أو تحويل لبنان الى ذراعٍ إقليمية وحينها نصبح جميعاً على الوطن.
المقاربة الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الاعلامية
نبض