حماية القاصرين رقمياً وخطر استيراد القوانين

منبر 24-06-2026 | 10:03

حماية القاصرين رقمياً وخطر استيراد القوانين

هل المسؤولية الأساسية تقع على المنصة بوصفها منتج الخطر، أم ستبقى موزعة بين أطراف متعددة بطريقة تُضعف مركزية المساءلة؟
حماية القاصرين رقمياً وخطر استيراد القوانين
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي
Smaller Bigger

 جبران الخوري* 

 

 

حين نتحدث عن نفوذ الشركات التكنولوجية الكبرى على القوانين، يتبادر إلى الذهن غالباً الشكل التقليدي المعروف في الأدبيات القانونية والاقتصادية باسم الاستحواذ التنظيمي Regulatory Capture، أي الحالة التي تنجح فيها الشركات في التأثير على اللجان النيابية والجهات الناظمة عبر الضغط السياسي أو التمويل أو العلاقات المباشرة، بما يجعل القواعد القانونية أكثر انسجاماً مع مصالحها. 

لكن في السنوات الأخيرة ظهر شكل أكثر تعقيداً وأقل وضوحاً من هذا النفوذ، يمكن وصفه بما بات يُعرف في بعض الأدبيات النقدية بـ الاستحواذ التنظيمي عبر الخطاب Regulatory Capture by Discourse.

هذا المفهوم يقوم على فكرة بسيطة ولكن شديدة الأثر، الشركات لا تحتاج دائماً إلى التدخل في صياغة القانون نفسه إذا استطاعت التأثير مسبقاً في الطريقة التي نفهم بها المشكلة أصلاً. 

فالتنظيم لا يبدأ عند كتابة النصوص القانونية، بل يبدأ قبل ذلك بكثير، عند تعريف المشكلة وتحديد طبيعتها. ومن يملك تعريف المشكلة، يملك إلى حد بعيد القدرة على رسم الحلول الممكنة لها.

إذا قلنا مثلاً إن أزمة الأطفال في الفضاء الرقمي هي مسألة ضعف في التوعية الأسرية أو قصور في التربية الرقمية، فإن الحل سيذهب تلقائياً نحو تدريب الأهل، وتطوير المناهج، وتثقيف المستخدمين. أما إذا قُدّمت المشكلة على أنها نتاج بيئات رقمية صُممت عمداً لتعظيم إنخراط الاطفال والمراهقين والإدمان وتوجيه السلوك، فإن مركز الحل ينتقل مباشرة إلى تنظيم المنصات نفسها وتحميلها المسؤولية القانونية الكاملة.

هذا الفارق هو جوهر المعركة القانونية والتنظيمية.

هذا ما حاولت الباحثة Shoshana Zuboff شرحه في كتابها The Age of Surveillance Capitalism عام 2019، حين بيّنت أن المنصات الرقمية لا تبيع خدمات فقط، بل تبني اقتصاداً قائماً على استخراج السلوك البشري وتحويله إلى مادة خام تجارية. المعنى هنا أن الخطر ليس عرضاً جانبياً، بل جزء من البنية الاقتصادية ذاتها.

وفي السياق نفسه، قدّم الباحث Nicolas Suzor في كتابه Lawless (2019) نقداً حاداً لفكرة التنظيم الذاتي للمنصات، موضحاً أن ترك الشركات تنظّم نفسها يخلق اختلالاً عميقاً في موازين السلطة. أما الباحثة Lilian Edwards، فقد أسهمت في تطوير مفهوم Duty of Care الذي أصبح أحد أعمدة قانون السلامة الرقمية في المملكة المتحدة، والقائم على فكرة أن المنصة ملزمة قانوناً بمنع الضرر قبل وقوعه، لا الاكتفاء بالاستجابة له بعد حدوثه.

لكن في مقابل هذا الاتجاه الذي يعيد تثبيت المسؤولية على المنصة، نشأ خلال العقدين الأخيرين مسار آخر، خصوصاً داخل فضاءات مثل Internet Governance Forum، يقوم على مفاهيم مثل Multi-Stakeholderism وShared Responsibility وDigital Citizenship. هذه المفاهيم تبدو للوهلة الأولى عقلانية وتشاركية، لأنها تقول إن الإنترنت فضاء معقد لا يمكن تنظيمه من طرف واحد، وإن المسؤولية يجب أن تتوزع بين الحكومات، والشركات، والمجتمع المدني، والمدارس، والأسر.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه اللغة إلى إطار قانوني.

هنا يصبح الطفل مسؤولية أهله، والمدرسة مسؤولة عن التوعية، والمجتمع المدني مسؤول عن التثقيف، والدولة مسؤولة عن التنسيق، بينما تتحول المنصة، وهي الجهة التي تصمم البيئة الرقمية وتبني خوارزمياتها وتستفيد مالياً من زيادة الانخراط، إلى مجرد "طرف من عدة أطراف".

 

الشركات لا تحتاج دائماً إلى التدخل في صياغة القانون نفسه إذا استطاعت التأثير مسبقاً في الطريقة التي نفهم بها المشكلة أصلاً.
الشركات لا تحتاج دائماً إلى التدخل في صياغة القانون نفسه إذا استطاعت التأثير مسبقاً في الطريقة التي نفهم بها المشكلة أصلاً.

 

 

هذا ما انتقده الباحث Milton Mueller في كتابه Networks and States (2010)، حين اعتبر أن نموذج "تعدد أصحاب المصلحة" قد يتحول عملياً إلى وسيلة لإضفاء شرعية على نفوذ الشركات الكبرى داخل بنية الحوكمة العالمية. كما هاجم Evgeny Morozov هذا المنطق في كتابه To Save Everything, Click Here (2013)، معتبراً أن التكنولوجيا كثيراً ما تعيد تقديم مشكلات سياسية واجتماعية عميقة بوصفها مسائل تقنية أو إدارية قابلة للإدارة فقط. وشرح Tarleton Gillespie كيف تستخدم المنصات خطاب "المجتمع" و"الحياد" و"الشراكة" لتجنب موقع المسؤولية القانونية المباشرة.

الأمر لا يتوقف عند مستوى الخطاب. فهذه المفاهيم تُنتج وتُعاد تدويرها داخل الجامعات، ومراكز الأبحاث، والمؤتمرات الدولية، والبرامج التدريبية، وكثير من هذه المساحات يتلقى تمويلاً مباشراً أو غير مباشر من الشركات التكنولوجية الكبرى نفسها. هنا لا تشتري الشركات القرار السياسي بشكل مباشر، بل تشارك في تشكيل البيئة الفكرية التي تجعل القرار أقل صداماً معها وأكثر ميلاً إلى توزيع المسؤولية.

هذا هو المعنى الأعمق للاستحواذ التنظيمي عبر الخطاب، فالسيطرة تكون على اللغة التي يُكتب بها القانون.

من هنا يمكن فهم التحولات الحديثة في حماية الأطفال رقمياً. ما بدأ مع قانون حماية خصوصية الأطفال الأميركي COPPA عام 1998 بوصفه قانوناً لحماية البيانات، تطور اليوم في دول مثل أستراليا وبريطانيا والإمارات العربية المتحدة إلى نماذج أكثر صرامة تربط الحماية بمفهوم السلامة النفسية، والتحقق من السن، وفرض الغرامات الباهظة أو الحجب أو التعليق على المنصات المخالفة. 

لكن حتى داخل هذه النماذج، يبقى السؤال الحاسم قائماً، هل المسؤولية الأساسية تقع على المنصة بوصفها منتج الخطر، أم ستبقى موزعة بين أطراف متعددة بطريقة تُضعف مركزية المساءلة؟

هذا السؤال سياسي وقانوني وأخلاقي في جوهره. لأن مستقبل حماية الأطفال في الفضاء سوف يتحدد باللغة التي ستُكتب بها هذه القوانين، وبالمفاهيم التي ستحدد من هو المسؤول فعلاً عن الضرر ومن يجب أن يتحمل تبعاته. استراليا وبريطانيا حسمتا الأمر، المسؤولية تقع كاملةً على المنصات، بينما الامارات ذهبت باتجاه المسؤولية التشاركية. 

 

 لبنان: بين الفراغ التنظيمي وخطر استيراد القوانين 

 

في لبنان، ما زال النقاش حول حماية الأطفال في البيئة الرقمية في مراحله الأولية، ويتسم حتى الآن بطابع متقطع ومجزّأ، من دون أن يرتقي إلى مستوى سياسة عامة متماسكة. فباستثناء بعض المبادرات البرلمانية وتشكيل لجنة وزارية في شباط 2026، لا يوجد حتى اللحظة إطار قانوني أو تنظيمي واضح يحدد مسؤوليات المنصات الرقمية، ولا آليات تنفيذية فعلية للتدخل السريع عند ظهور مخاطر جدية تمس سلامة الأطفال النفسية أو الاجتماعية.

تكمن الإشكالية في أن لبنان لا يواجه فقط فراغاً تنظيمياً، بل يواجه أيضاً خطر الاستيراد المفاهيمي، أي استنساخ قوانين أو نماذج ومصطلحات قانونية جاهزة، مثل "المسؤولية المشتركة" أو "الحوكمة التشاركية"، من دون تفكيك خلفياتها السياسية والاقتصادية أو فهم أثرها الفعلي على توزيع المسؤولية القانونية. 

في بيئة مؤسساتية هشة، قد يؤدي هذا الاستيراد إلى نقل عبء الحماية تدريجياً إلى الأسرة والمدرسة والمجتمع، فيما تبقى المنصات بمنأى عن المساءلة المباشرة.

المواجهة هنا لا تبدأ فقط بإقرار قانون جديد، بل بإعادة بناء المقاربة من أساسها. وهذا يقتضي أولاً تثبيت مبدأ قانوني واضح مفاده أن المنصة، بوصفها الجهة التي تصمم البيئة الرقمية وتتحكم بخوارزمياتها وتستفيد مالياً من تكثيف التفاعل، يجب أن تبقى مركز المسؤولية الأول عن المخاطر الناتجة عنها. 

ويقتضي ثانياً إنشاء آلية تنفيذية سريعة داخل السلطة التنفيذية، سواء عبر هيئة تنظيم الاتصالات TRA أو صلاحيات حكومية مباشرة، استناداً الى القوانين النافذة في لبنان، والقواعد القانونية العائدة للشركات نفسها، مثلا منصات التواصل الاجتماعي تفرض منع الوصول اليها لمن هم دون 13 سنة، ولكن هي نفسها لا تلتزم بذلك، بل "تغض النظر". 

ذلك كله، يتيح فرض تدابير فورية تنفيذية مثل التقييد، والغرامات، أو الحجب عند الاقتضاء، بعيداً عن بطء المسار التشريعي التقليدي.

كذلك، يحتاج لبنان إلى بناء استقلال معرفي في هذا المجال، عبر إشراك خبراء تقنيين مستقلين عن دوائر التمويل المرتبطة بالشركات الكبرى، لأن جزءاً كبيراً من المعركة هنا ليس فقط قانونياً، بل معرفي أيضاً. 

فالتحدي يكمن في كيفية تحديد اللغة التي ستُكتب بها هذه التشريعات، لأن اللغة نفسها تحدد مركز المسؤولية وحدودها.

 

 

كذلك في حالة المنصات الهجينة مثل Roblox Corporation، والتي تجمع بين الألعاب والتفاعل الاجتماعي المفتوح، يصبح هذا التحدي أكثر إلحاحاً وضرورة، لأن الخطر فيها لا ينحصر في المحتوى فقط، بل يمتد إلى البنية التفاعلية ذاتها التي تؤثر مباشرة في التكوين النفسي والسلوكي للأطفال. وهذا يفرض على لبنان الانتقال من موقع المراقب إلى موقع الفاعل، قبل أن يصبح التنظيم مجرد استجابة متأخرة لضرر وقع بالفعل وأثره سوف يكون كبيرا لأجيال قادمة.

*خبير في إدارة الاتصالات

الأكثر قراءة

كتاب النهار 6/22/2026 5:30:00 AM
إنّي، بنبرةٍ قاسيةٍ غير مسبوقة، أدعو رئيس الجمهوريّة ورئيس الحكومة والحكومة ورئيس مجلس النوّاب والنوّاب إلى التقدّم من الأمم المتّحدة ومجلس الأمن الدوليّ بطلب تحييد لبنان
النهار تتحقق 6/23/2026 9:29:00 AM
بدا الرئيس الأميركي دونالد ترامب رافع الرأس بفخر. وكُتب على صورته Thanks USA، اي شكراً الولايات المتحدة الأميركية.
رياضة 6/22/2026 5:52:00 AM
حققت مصر فوزها الأول في تاريخ مشاركاتها في كأس العالم، وجاء على نيوزيلندا 3-1، ما وضعها على مشارف التأهل إلى دور الـ32 لكأس العالم 2026، وسط تألق نجمه محمد صلاح