من سويسرا إلى جبل عامل… كيف ستنتهي الحرب؟

منبر 22-06-2026 | 11:02

من سويسرا إلى جبل عامل… كيف ستنتهي الحرب؟

إذا كانت المقاربة الأميركية قد انتقلت من منطق تغيير النظام إلى منطق احتوائه، فإن ذلك يفرض بدوره مقاربة مختلفة بين دول الخليج وإيران.

من سويسرا إلى جبل عامل… كيف ستنتهي الحرب؟
سلسلة من الغارات الجوية الإسرائيلية استهدفت مدينة النبطية جنوب لبنان في 20 يونيو 2026 (أ ف ب)
Smaller Bigger

حسن درغام (*)

 

على ضفاف بحيرة لوسيرن، وفي منتجع بورغنشتوك السويسري، جلس محمد باقر قاليباف وعباس عراقجي، وإلى جانبهما حاكم المصرف المركزي الإيراني، في مواجهة جي دي فانس وستيف ويتكوف وجاريد كوشنير، بوساطة رئيس الوزراء الباكستاني ووزير خارجية قطر، لإطلاق جولة أولى من المفاوضات يفترض أن ترسم ملامح مرحلة جديدة بعد حرب امتدت من مضيق هرمز إلى جنوب لبنان. ولم يكن حضور حاكم المصرف المركزي الإيراني تفصيلاً بروتوكولياً، بل إشارة إلى أن طهران جاءت إلى سويسرا وفي ذهنها ما هو أبعد من وقف النار.

 

وانتهى اليوم الأول إلى إطلاق محادثات فنية وخارطة طريق تمتد ستين يوماً، وسط أجواء إيجابية كادت تعصف بها تغريدة لدونالد ترامب قبل أن تنجح الوساطات في احتواء تداعياتها. وخلف الصورة الدبلوماسية الهادئة، كانت ثلاث لغات مختلفة تتحدث في آن واحد: لغة جي دي فانس الدبلوماسية، ولغة ترامب التهديدية، ولغة بنيامين نتنياهو القلقة. فالرئيس الأميركي الذي قال أمام قادة مجموعة السبع: “I am the boss”، لا يبدو أنه يرى نفسه صاحب القرار الأول داخل الولايات المتحدة فحسب، بل داخل المعسكر الغربي أيضاً، وهو ما يفسر قدرته على الذهاب بعيداً في فرض خيارات لا يشاركها فيها نتنياهو بالضرورة. ولا يخفي فانس رهانه على نجاح المفاوضات، ليس فقط لإنجاز أحد أهم ملفات إدارة ترامب، بل أيضاً لتعزيز موقعه مرشحاً طبيعياً لخلافة ترامب في البيت الأبيض.

 

فالرجل الذي بدأ الحرب على أمل تغيير النظام الإيراني بالقوة وجد نفسه، كما كتب كريم سجادبور، أحد أبرز المختصين بالشأن الإيراني، في مجلة The Atlantic، أمام مقامرة ثانية. فإذا كان الرهان الأول يقوم على إسقاط النظام، فإن الرهان الجديد يقوم على احتوائه وإغرائه بالاندماج. لكن هل تنتهي حرب باردة عمرها سبعة وأربعون عاماً خلال ستين يوماً؟ وهل تستطيع الجمهورية الإسلامية، التي بنت جزءاً من هويتها على العداء للولايات المتحدة وإسرائيل، أن تتحول إلى شريك في نظام إقليمي جديد؟

 

وإذا كانت المقاربة الأميركية قد انتقلت من منطق تغيير النظام إلى منطق احتوائه، فإن ذلك يفرض بدوره مقاربة مختلفة بين دول الخليج وإيران. فالسعودية، بثقلها النفطي والاستثماري، والإمارات بموقعها المالي والتجاري العالمي، وقطر بوصفها أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال، ليست دولاً عابرة في معادلة المنطقة، كما أن إيران ستبقى، مهما تبدلت التحالفات، على الضفة الأخرى من الخليج.

 

ومهما بلغت الحروب والخلافات، فإن الجغرافيا لا تسمح بالطلاق. وقد تتغير موازين القوى وتتبدل التحالفات، لكن حقائق الجغرافيا والمصالح تبقى أكثر رسوخاً من الحروب نفسها، وتفرض البحث عن المشتركات وإدارة التنافس بدلاً من الرهان الدائم على الإلغاء. وكما يقول التعبير الشهير: Geography is destiny. فإيران ستبقى على الضفة الأخرى من الخليج، والسعودية بثقلها النفطي والاستثماري، والإمارات بموقعها المالي والتجاري العالمي، وقطر بوصفها أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال، ستبقى جميعها محكومة بالبحث عن قواعد للتعايش وإدارة التنافس، لأن الجغرافيا ليست مجرد خريطة، بل أحد الثوابت التي تصوغ سياسات الدول ومصالحها.

 

وفيما كانت المفاوضات تنطلق في سويسرا، كانت الوقائع على الأرض تتحرك بوتيرة مختلفة. فالخرائط المتداولة في إسرائيل والنقاشات الدائرة حول تقليص القوات والقيام بانسحابات جزئية من جنوب لبنان توحي بأن بعض ملامح التسوية بدأت تفرض نفسها حتى قبل انتهاء مهلة الستين يوماً. وإذا كان الرئيس نبيه بري يؤكد خلو جنوب الليطاني من السلاح، بالتوازي مع انسحاب إسرائيل وانتشار الجيش اللبناني، فإن السؤال الأكثر حساسية يبقى معلقاً شمال النهر: إذا كانت إسرائيل ستنسحب جنوباً، فهل تنسحب إيران أيضاً شمالاً؟ فما بين جنوب الليطاني وشماله لا يقف نهر فحسب، بل يقف سؤال الدولة اللبنانية نفسها. وماذا سيكون مصير سلاح حزب الله؟ وهل يفتح نجاح المفاوضات الباب أمام حوار لبناني جديد يعيد الاعتبار للدولة، أم يبقى لبنان جزءاً من رهانات الآخرين؟

 

ومن هنا تكتسب اجتماعات واشنطن في الثالث والعشرين من الشهر الجاري معناها الأوسع، باعتبارها جزءاً من رهان الدولة اللبنانية على أن تجد لنفسها مكاناً على طاولة التسويات، خصوصاً بعد الاتفاق على إنشاء مجموعة عمل لتفادي التصعيد تضم الجمهورية اللبنانية إلى جانب الطرفين والوسطاء، بهدف ضمان وقف العمليات العسكرية في لبنان.

 

ولعل اللافت أن الرئيس السوري أحمد الشرع، رغم انتقاده الصريح لتجاوز حزب الله للدولة اللبنانية في قرار السلم والحرب، رفض الانخراط في الانقسام اللبناني أو المغامرة بالبيئة الشيعية، داعياً إلى تقوية الدولة اللبنانية وإيجاد صلات بين مختلف القوى، بما فيها الحزب، لأن خسارة أي مكون لبناني هي خسارة للمنطقة كلها.

 

لكن ماذا لو فشلت المفاوضات، رغم ضعف هذا الاحتمال؟ ألن يكون ذلك بالضبط ما يتمناه نتنياهو وسموتريتش وبن غفير؟ وألن يكون السيناريو الأسوأ مرة أخرى على الجنوب والضاحية والبقاع، وعلى البيئة الشيعية التي دفعت أثماناً باهظة خلال الحرب؟

 

وما أخشاه فعلاً أن يتحول إحباط اليمين الإسرائيلي من التسوية إلى محاولة تعويض على حساب الناس، وخصوصاً في الجنوب الذي لم يخرج بعد من تحت الركام. فبقدر ما ساهم رهان حزب الله الكامل على إيران في الوصول إلى وقف إطلاق النار، فإن انهيار هذا المسار، إذا وقع، قد يفتح الباب أمام فصل جديد من القتل والدمار والتهجير، يقترب من أكبر الكوارث التي عرفتها هذه البيئة وحواضرها، حيث يصعب التنبؤ بأحجام المأساة الإنسانية التي قد تترتب على ذلك.

 

وفي الجنوب، لم تسقط الجدران وحدها، بل سقطت معها مكتبات وصور عائلية وأشجار معمرة، وامتدت الخسائر إلى القرى الحدودية، وأسواق النبطية، والمربعات السكنية في صور، وبيوت بنت جبيل والخيام، وشواهد التاريخ من قلعة الشقيف إلى تلال علي الطاهر، فوق فاتورة بشرية باهظة دفعها أهل الجنوب من دمائهم وأبنائهم. ولعل شهادة المايسترو لبنان بعلبكي عن منزل والده الفنان عبد الحميد بعلبكي في العديسة، الذي أراده منارة للثقافة والفنون، تختصر شيئاً من هذا الألم. فبعض البيوت لا تُهدم حين تسقط جدرانها، لأنها بُنيت من ذاكرة الناس، وحكايات الأمهات، ورائحة الفجر فوق الحقول، وأصوات الذين مروا فيها، وهي أشياء أصلب من الحجر.

 

ولهذا، لا تنتهي الحروب عندما تصمت المدافع، بل عندما يعود الناس إلى بيوتهم.

 

ولعل السؤال الحقيقي ليس من انتصر ومن هُزم، بل أي مقامرات ستنجح، وأي رهانات ستسقط. وبين بحيرة لوسيرن وجبل عامل، لا يزال هناك أناس لا يراهنون إلا على شيء واحد: أن تكون الحرب الأخيرة… هي الأخيرة فعلاً.

 

(*) مهندس معماري وكاتب سياسي


الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 6/20/2026 2:13:00 PM

خلف صورة القوة الاقتصادية والنفوذ العالمي، تخوض أكبر اقتصادات العالم معركة أخرى صامتة: سباق الاقتراض، حيث باتت الديون تتضخم بوتيرة تقترب من حجم الاقتصاد العالمي نفسه.

فن ومشاهير 6/20/2026 10:38:00 AM
وكان آخر لقاء مباشر بينهما في أيلول/ سبتمبر 2025.
رياضة 6/18/2026 8:53:00 AM
اكتشف النتائج الكاملة للجولة الأولى من دور المجموعات في كأس العالم 2026، مع أبرز المفاجآت وتألق ليونيل ميسي في المباراة الأولى للأرجنتين أمام الجزائر
رياضة 6/19/2026 7:09:00 PM
داخل إحدى حفلات الزفاف، لم يتردّد الضيوف في التجمّع أمام شاشة كبيرة لمتابعة اللقاء، في صورة تختصر حالة حمّى المونديال التي اجتاحت البلاد بالكامل