حين يصبح الأبوان أيقونة الله

منبر 22-06-2026 | 11:21

حين يصبح الأبوان أيقونة الله

اء عيد الأب هذا العام محاطًا بالهدوء الذي يلف بيوتنا اللبنانية بعد أن كبر الأولاد وغادروها، أو انشغلوا بتفاصيل البقاء. تمرّ هذه المناسبة بأقل صخب ممكن. ربما لهذا السبب نجد أنفسنا مدفوعين إلى تأملٍ يذهب أبعد من التهنئة التقليدية.
حين يصبح الأبوان أيقونة الله
تعبيرية
Smaller Bigger

إلياس عيسى إلياس

 

 

جاء عيد الأب هذا العام محاطًا بالهدوء الذي يلف بيوتنا اللبنانية بعد أن كبر الأولاد وغادروها، أو انشغلوا بتفاصيل البقاء. تمرّ هذه المناسبة بأقل صخب ممكن. ربما لهذا السبب نجد أنفسنا مدفوعين إلى تأملٍ يذهب أبعد من التهنئة التقليدية.

هل فكرنا يوماً لماذا تضع الحكمة الإلهية إكرام الوالدين في قلب الحياة الروحية؟ المسألة لا تتعلق فقط بشخصين سبقا وجودنا البيولوجي. هما ببساطة أول اختبار لنا مع الطمأنينة. قبل أن نتعلم كيف نصوغ الصلاة، عشنا الحنان واقعاً يومياً، وتذوقنا طعم العطاء الصافي الذي لا ينتظر مقابلاً.

الأمر يتعدى فكرة الواجب الاجتماعي والتقاليد المفروضة. في العمق، نحن أمام دعوة للاعتراف بأننا لسنا نتاج مصادفة أو جهد فردي معزول. هناك من حملنا خطوة بخطوة، وسهر طويلاً، وآمن بنا قبل أن نملك الوعي لنؤمن بأنفسنا.

في لبنان اليوم، ووسط الركض اليومي وراء لقمة العيش، ننسى أحياناً. الخطر الحقيقي هنا ليس الأزمة الاقتصادية الخانقة، بل فقدان الذاكرة القلبية. حين نقطع صلتنا بالينابيع الأولى، نتوه في الطريق وتفقد المسيرة توازنها. والامتنان ليس ترفاً، هو ببساطة العيش بانسجام مع شبكة العلاقات الإنسانية التي تؤسس للحياة.

احترام المصدر الذي جئنا منه يفتح عيوننا على قيمة الحياة نفسها، بكل أبعادها. لكن هذا الكلام يظل نظرياً حتى يوضع في آتون التجربة؛ وتحديداً في زمن الشيخوخة والضعف، هنا يظهر المعدن الحقيقي.

الامتحان يبدأ حين تتثاقل الخطى وتغيب التفاصيل عن الذاكرة. الحب وقتها يظهر في أن تعطي من كان يفيض عليك، والآن لا يملك ما يقدمه سوى حضوره الهش.

تذكروا مثلاً ذلك الأب الذي كان يحمل ابنه على كتفيه ليعبر به زحمة أسواق بيروت، كيف تدور الأيام ليصبح بحاجة إلى يد تسنده وهو يصعد عتبة الدار؟ وتلك الأم التي قضت الليالي قرب سرير طفلها المريض، ها هي اليوم تنتظر اتصالاً هاتفياً أو خطوة على الباب تعيد الروح إلى نهارها الطويل. هذه المشاهد اليومية العادية، هي المحك الفعلي.

في هذه المرحلة، تنقلب الأدوار بهدوء غريب. اليد التي وسمت طفولتنا بالأمان، تحتاج اليوم من يمسك بها ليعبر بها عتمة الأيام، بينما يبحث صوت الأب القوي القديم عن نبرة تشجيع واحدة تطمئنه.

النظرة النفعية السائدة ترى في هذا الضعف عبئاً وخسارة، لكن العين التي تفتش في عمق الروح والكيان الإنساني تراه دعوة لاكتشاف قدسية الإنسان لذاته، لا لما يمكن أن ينتجه أو يقدمه. كرامة الوالدين ثابتة، لا تهزها قلة الحيلة أو وهن الجسد.

هذا المشهد يأخذني مباشرة إلى زغرتا، إلى بيت جدي وتلك اللقاءات العائلية حول طاولات السنديان العتيقة. أذكر تماماً طقطقة فناجين القهوة ورائحة الهال المفاجئة كيف كانت تمهد لتقديم قهوة الصباح للأكبر سناً بكثير من التوقير الصامت، وكأن وجودهم بركة تحرس عتبة البيت من غدر الأيام.

هناك، تعلمتُ أن رعاية الأبناء لآبائهم في خريف عمرهم ليست ردّ تبرّعات أو جمائل إنسانية، بل هي أشبه بوفاء الأرض الترابية لأصولها الممتدة عميقاً في الصخر. حين ننظر إلى تلك الوجوه التي حفرت فيها السنون تفاصيلها، نكتشف أن الخدمة تتحول إلى صلاة يومية صامتة تعاش بلا وعظ أو كلام كبير.

اليد المتعبة التي نتشبث بها اليوم، هي ذاتها التي رسمت ملامحنا وصنعت طريقنا. ومَن ينحني بصدق ومحبة أمام تعب أبويه، يلامس أسمى درجات الإنسانية والنقاء الروحي، ليختصر في ذلك الانحناء النبيل جوهر العرفان وسرّ الوفاء الإنساني الأكبر.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 6/20/2026 2:13:00 PM

خلف صورة القوة الاقتصادية والنفوذ العالمي، تخوض أكبر اقتصادات العالم معركة أخرى صامتة: سباق الاقتراض، حيث باتت الديون تتضخم بوتيرة تقترب من حجم الاقتصاد العالمي نفسه.

فن ومشاهير 6/20/2026 10:38:00 AM
وكان آخر لقاء مباشر بينهما في أيلول/ سبتمبر 2025.
رياضة 6/18/2026 8:53:00 AM
اكتشف النتائج الكاملة للجولة الأولى من دور المجموعات في كأس العالم 2026، مع أبرز المفاجآت وتألق ليونيل ميسي في المباراة الأولى للأرجنتين أمام الجزائر
رياضة 6/19/2026 7:09:00 PM
داخل إحدى حفلات الزفاف، لم يتردّد الضيوف في التجمّع أمام شاشة كبيرة لمتابعة اللقاء، في صورة تختصر حالة حمّى المونديال التي اجتاحت البلاد بالكامل