منبر
22-06-2026 | 10:42
يا لسخرية القدر
استيقظ سمير عبدالفتاح قبل الفجر، كعادته منذ أربعين عاماً. جلس إلى مكتبه الذي ورثه عن أبيه قبل أن يصله فنجان القهوة. فتح النافذة على شقشقة العصافير، ومدّ يده إلى كومة الأوراق البيضاء التي تنتظره كل صباح، وبدأ يكتب.
تعبيرية
محمد سعيد حميد - اليمن
استيقظ سمير عبدالفتاح قبل الفجر، كعادته منذ أربعين عاماً. جلس إلى مكتبه الذي ورثه عن أبيه قبل أن يصله فنجان القهوة. فتح النافذة على شقشقة العصافير، ومدّ يده إلى كومة الأوراق البيضاء التي تنتظره كل صباح، وبدأ يكتب.
كتب عن الفلاحين الذين يجففون التبغ في الشرفات، عن الغجر على أطراف المدينة، عن عجوزٍ تبيع الخبز في محطة الباصات، عن الناس... عن وجوههم المثقلة بالحزن، عن أصواتهم الضائعة، وعن حقيقةٍ تتكسّر قبل أن تصل.
كان يكتب كغريقٍ يلهث، يكتب حتى تتعب أصابعه، ويتمزق عقله وقلبه أكثر، لكنه اكتشف متأخراً أن للكلمات مقابر.
حدث ذلك حين سأل ثلاثة شبان جلسوا إلى طاولةٍ مجاورة له في مقهى يغمره دخان السجائر، على الشارع الرئيس للمدينة:
"يا شباب، هل اطلعتم على آخر الإصدارات الفكرية؟"،
ضحك أحدهم وقال: "نقرأ ماذا؟ كل شيء في الجوال!"
سألهم بنبرة حائرة: "قصص؟ روايات؟ أدب؟"،
فأجابه الآخر: "لا وقت يا عم… نتابع السناب والتيك توك".
ارتعشت يد سمير وهو يضع فنجان القهوة، فانسكبت منه قطرة على الطاولة، دفع ثمن قهوته وغادر.
في طريقه إلى البيت، مرّ بالمكتبة العامة. أشعل غليونه، ووقف أمام واجهتها الزجاجية يتأمل رواياته المصطفّة على الرفوف: أغلفة أنيقة، وعناوين اختارها بعناية. دخل واستنشق عبيرها، وسأل موظف المكتبة: "كيف المبيعات هذا الشهر؟"،
تلكّأ الموظف قليلاً، ثم قال: "الحقيقة يا أستاذ سمير… الناس لا تقرأ كثيراً هذه الأيام. رواياتك موجودة، لكن…"
قاطعه: "كم قارئاً هذا الأسبوع؟"، فأجاب الموظف بأسف: "اثنان… أحدهما استعارها لابنته المُطالبَة ببحثٍ مدرسي."
في بيته فتح دُرجاً قديماً؛ رسائل من قرّاءٍ كانوا يوماً هنا… حين كان الناس يقرأون.
قبل ثلاثين عاماً، كانت رسائله تصل، ورسائل القراء تصل بعد أشهر مع ساعي البريد. كان يكتب في الصحف، ويظهر على شاشات التلفزيون، ويقصده طلبة الجامعات لإجراء بحوث عن رواياته، وفي أيديهم باقات الورد.
تمتم بمرارة: "يا لسخرية القدر… كاتبٌ يغرق في الكلمات، ولا يجد من يغرق معه."
الكلمات في داخله كالنمل الأبيض، تأكل روحه إن لم يخرجها. كان يكتب لأنه، إذا توقّف، شعر أنه يموت.
تساءل: لمن نكتب؟ ولماذا؟ الناس لا يقرأون؛ بعضهم لا يملك الوقت، بعضهم لا يثق، وبعضهم أنهكته كثرة ما قيل له حتى لم يعد يصدّق شيئاً. ومع ذلك يواصل الكتابة… كمن يرسل رسائل في زجاجات، ويرميها في بحرٍ لا شاطئ له.
ثم عرف ما هو أقسى من غياب القارئ: حضوره من دون أثر.
أن تُقرأ ولا تُفهم، وتُسمع ولا تُصغى، وتُقال الحقيقة فلا تغيّر شيئاً.
كتب وهو يتمتم بسخريةٍ خفيفة، فخط قلمه: "الكاتب العظيم ليس من يقرأه الملايين، بل من يكتب… مؤمناً بأن كلمة واحدة قد تصل إلى قلبٍ واحد، فتصنع فيه ما لا تصنعه الحروب."
أسند رأسه إلى النافذة. كان المشهد يتكرر: أرضٌ تمتد، بيوت متناثرة، أطفال يركضون، يضحكون، يلوحون، ثم يختفون. فكّر: ربما هم أيضاً يلوّحون لشيءٍ لم يصل إليهم بعد.
كان وحيداً… ووحدته كانت تمتلئ بالحكايات التي تنتظر من يرويها.
كتب حتى تسللت خيوط الصباح إلى الغرفة، ويخالجه إحساس أن لا أحد سينشر هذه الكلمات، وقد لا تجد ناقداً يكتب عنها، وأن جائزةً لن تصل إليه.
ابتسم أخيراً عندما رأى خيوط الشمس تتسلل إلى أنامله المتعبة... ربما لن تصل كلماته، وربما تصل متأخرة ولا تغيّر شيئاً، ومع ذلك سيكتب. لم يعد يكتب ليُقرأ، بل لأنه يعرف أنها تنتظر قارئها، حتى لو تأخر ثلاثين عاماً، وأن الكلمات الصادقة لا تموت، وأنه إن صمت… اختنق.
استيقظ سمير عبدالفتاح قبل الفجر، كعادته منذ أربعين عاماً. جلس إلى مكتبه الذي ورثه عن أبيه قبل أن يصله فنجان القهوة. فتح النافذة على شقشقة العصافير، ومدّ يده إلى كومة الأوراق البيضاء التي تنتظره كل صباح، وبدأ يكتب.
كتب عن الفلاحين الذين يجففون التبغ في الشرفات، عن الغجر على أطراف المدينة، عن عجوزٍ تبيع الخبز في محطة الباصات، عن الناس... عن وجوههم المثقلة بالحزن، عن أصواتهم الضائعة، وعن حقيقةٍ تتكسّر قبل أن تصل.
كان يكتب كغريقٍ يلهث، يكتب حتى تتعب أصابعه، ويتمزق عقله وقلبه أكثر، لكنه اكتشف متأخراً أن للكلمات مقابر.
حدث ذلك حين سأل ثلاثة شبان جلسوا إلى طاولةٍ مجاورة له في مقهى يغمره دخان السجائر، على الشارع الرئيس للمدينة:
"يا شباب، هل اطلعتم على آخر الإصدارات الفكرية؟"،
ضحك أحدهم وقال: "نقرأ ماذا؟ كل شيء في الجوال!"
سألهم بنبرة حائرة: "قصص؟ روايات؟ أدب؟"،
فأجابه الآخر: "لا وقت يا عم… نتابع السناب والتيك توك".
ارتعشت يد سمير وهو يضع فنجان القهوة، فانسكبت منه قطرة على الطاولة، دفع ثمن قهوته وغادر.
في طريقه إلى البيت، مرّ بالمكتبة العامة. أشعل غليونه، ووقف أمام واجهتها الزجاجية يتأمل رواياته المصطفّة على الرفوف: أغلفة أنيقة، وعناوين اختارها بعناية. دخل واستنشق عبيرها، وسأل موظف المكتبة: "كيف المبيعات هذا الشهر؟"،
تلكّأ الموظف قليلاً، ثم قال: "الحقيقة يا أستاذ سمير… الناس لا تقرأ كثيراً هذه الأيام. رواياتك موجودة، لكن…"
قاطعه: "كم قارئاً هذا الأسبوع؟"، فأجاب الموظف بأسف: "اثنان… أحدهما استعارها لابنته المُطالبَة ببحثٍ مدرسي."
في بيته فتح دُرجاً قديماً؛ رسائل من قرّاءٍ كانوا يوماً هنا… حين كان الناس يقرأون.
قبل ثلاثين عاماً، كانت رسائله تصل، ورسائل القراء تصل بعد أشهر مع ساعي البريد. كان يكتب في الصحف، ويظهر على شاشات التلفزيون، ويقصده طلبة الجامعات لإجراء بحوث عن رواياته، وفي أيديهم باقات الورد.
تمتم بمرارة: "يا لسخرية القدر… كاتبٌ يغرق في الكلمات، ولا يجد من يغرق معه."
الكلمات في داخله كالنمل الأبيض، تأكل روحه إن لم يخرجها. كان يكتب لأنه، إذا توقّف، شعر أنه يموت.
تساءل: لمن نكتب؟ ولماذا؟ الناس لا يقرأون؛ بعضهم لا يملك الوقت، بعضهم لا يثق، وبعضهم أنهكته كثرة ما قيل له حتى لم يعد يصدّق شيئاً. ومع ذلك يواصل الكتابة… كمن يرسل رسائل في زجاجات، ويرميها في بحرٍ لا شاطئ له.
ثم عرف ما هو أقسى من غياب القارئ: حضوره من دون أثر.
أن تُقرأ ولا تُفهم، وتُسمع ولا تُصغى، وتُقال الحقيقة فلا تغيّر شيئاً.
كتب وهو يتمتم بسخريةٍ خفيفة، فخط قلمه: "الكاتب العظيم ليس من يقرأه الملايين، بل من يكتب… مؤمناً بأن كلمة واحدة قد تصل إلى قلبٍ واحد، فتصنع فيه ما لا تصنعه الحروب."
أسند رأسه إلى النافذة. كان المشهد يتكرر: أرضٌ تمتد، بيوت متناثرة، أطفال يركضون، يضحكون، يلوحون، ثم يختفون. فكّر: ربما هم أيضاً يلوّحون لشيءٍ لم يصل إليهم بعد.
كان وحيداً… ووحدته كانت تمتلئ بالحكايات التي تنتظر من يرويها.
كتب حتى تسللت خيوط الصباح إلى الغرفة، ويخالجه إحساس أن لا أحد سينشر هذه الكلمات، وقد لا تجد ناقداً يكتب عنها، وأن جائزةً لن تصل إليه.
ابتسم أخيراً عندما رأى خيوط الشمس تتسلل إلى أنامله المتعبة... ربما لن تصل كلماته، وربما تصل متأخرة ولا تغيّر شيئاً، ومع ذلك سيكتب. لم يعد يكتب ليُقرأ، بل لأنه يعرف أنها تنتظر قارئها، حتى لو تأخر ثلاثين عاماً، وأن الكلمات الصادقة لا تموت، وأنه إن صمت… اختنق.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
اقتصاد وأعمال
6/20/2026 2:13:00 PM
خلف صورة القوة الاقتصادية والنفوذ العالمي، تخوض أكبر اقتصادات العالم معركة أخرى صامتة: سباق الاقتراض، حيث باتت الديون تتضخم بوتيرة تقترب من حجم الاقتصاد العالمي نفسه.
فن ومشاهير
6/20/2026 10:38:00 AM
وكان آخر لقاء مباشر بينهما في أيلول/ سبتمبر 2025.
رياضة
6/18/2026 8:53:00 AM
اكتشف النتائج الكاملة للجولة الأولى من دور المجموعات في كأس العالم 2026، مع أبرز المفاجآت وتألق ليونيل ميسي في المباراة الأولى للأرجنتين أمام الجزائر
رياضة
6/19/2026 7:09:00 PM
داخل إحدى حفلات الزفاف، لم يتردّد الضيوف في التجمّع أمام شاشة كبيرة لمتابعة اللقاء، في صورة تختصر حالة حمّى المونديال التي اجتاحت البلاد بالكامل
نبض