لماذا يخاف اللبنانيون من الدولة القوية؟ حكاية قرن من التردد اللبناني والهروب من الدولة
د. طارق شلهوب - دكتور في إدارة الأعمال والتنمية الإدارية - باحث وكاتب في الشؤون الإدارية والتنموية
في لبنان، الجميع يتحدث عن الدولة. لكن القليلين فقط يريدونها قوية.
هذه ليست جملة عابرة، بل خلاصة تجربة سياسية امتدت لأكثر من قرن. فمنذ إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920، لم ينجح اللبنانيون في بناء اتفاق وطني حقيقي حول معنى الدولة. اتفقوا على التوازن، وعلى الحصص، وعلى الخوف المتبادل، وعلى منع أي طرف من السيطرة على الآخر. لكنهم لم يتفقوا على دولة قادرة تعلو فوق الطوائف والزعامات والسلاح والمحاور الخارجية.
وهنا تبدأ المشكلة.
ففي التجربة اللبنانية، غالباً ما تحوّل التوازن إلى مرادف للضعف. كان الهدف منع الهيمنة، لكن النتيجة كانت قيام نظام لا يسمح للدولة بأن تكون صاحبة القرار النهائي. ومع الوقت، صار الزعيم أقوى من المؤسسة، والطائفة أقوى من القانون، والخارج أقوى من الداخل.
عند الاستقلال عام 1943، وُلد الميثاق الوطني كتسوية ضرورية بين المكوّنات اللبنانية. كان اتفاقاً ذكياً في لحظته، لأنه منع الانقسام بين من أراد لبنان أقرب إلى محيطه العربي ومن أراده أقرب إلى الغرب. لكن هذه التسوية لم تبنِ دولة مواطنة بقدر ما ثبّتت دولة حصص: الرئاسة هنا، والحكومة هناك، والبرلمان موزّع، والإدارة محكومة بتوازنات دقيقة.
كان المطلوب حماية الشراكة. لكن ما وُلد فعلياً كان دولة تخاف أن تحكم.
ومنذ ذلك الوقت، بدأ لبنان يعيش داخل معادلة خطيرة: لا أحد يريد إلغاء الدولة، لكن كثيرين لا يريدونها قوية بما يكفي لمحاسبتهم أو تقييد نفوذهم.
أزمة عام 1958 كانت أول إنذار واضح. انقسم اللبنانيون بين المشروع الناصري والعلاقة مع الغرب. وعندما عجزت الدولة عن احتواء الانقسام، دخل الخارج مباشرة عبر إنزال المارينز الأميركيين في بيروت. كانت الرسالة واضحة منذ ذلك الوقت: عندما تضعف الدولة في لبنان، لا يبقى الفراغ فارغاً؛ يملؤه الخارج فوراً.
وكان اتفاق القاهرة عام 1969 محطة خطيرة في مسار إضعاف الدولة اللبنانية، إذ شرّع عملياً الوجود المسلّح الفلسطيني داخل لبنان، وفتح الباب أمام تعدد مراكز القرار الأمني والعسكري. منذ ذلك التاريخ، لم تعد الدولة وحدها تمسك بقرار السلاح، ولم يعد لبنان قادراً على فصل ساحته الداخلية عن صراعات المنطقة. كان الاتفاق، بمعناه العميق، إعلاناً مبكراً عن تراجع السيادة أمام منطق التسويات، وعن دخول لبنان في مرحلة أصبح فيها قرار الحرب والسلم موزّعاً بين الدولة وقوى مسلّحة لا تخضع بالكامل لها. ومن هناك، بدأ الجرح يكبر، إلى أن انفجر لاحقاً في الحرب الأهلية.
ثم جاءت الحرب الأهلية عام 1975 لتكشف هشاشة الكيان كله. خلال أشهر قليلة، تراجعت الدولة، وتقدمت الميليشيات، وتحول لبنان من وطن إلى ساحة. لم يعد القانون هو المرجع، بل السلاح. ولم تعد المؤسسات هي التي تدير الخلاف، بل خطوط التماس والحواجز والمحاور.
بعد الحرب، جاء اتفاق الطائف عام 1989 لينهي القتال، لكنه لم ينهِ الأزمة. أعاد توزيع السلطة وعدّل موازين النظام، لكنه لم يعالج السؤال الأساسي: من يملك القرار في لبنان؟ الدولة أم الزعامات؟ المؤسسات أم السلاح؟ الداخل أم الخارج؟
في التسعينيات، حاول رفيق الحريري إعادة بناء لبنان اقتصادياً، وإعادة بيروت إلى موقعها الطبيعي كجسر بين الشرق والغرب. عاد الإعمار، وعادت الحركة، وعاد الأمل إلى العاصمة. لكن البناء بالحجر لم يكن كافياً لبناء دولة. كان هناك اقتصاد ينهض، لكن السيادة بقيت ناقصة. وكانت هناك مؤسسات تعمل، لكن القرار النهائي لم يكن دائماً في يدها.
ثم جاء اغتيال رفيق الحريري في 14 شباط 2005 كزلزال سياسي كشف حجم الصراع على لبنان. خرج مئات آلاف اللبنانيين إلى الشوارع مطالبين بالسيادة وخروج الجيش السوري. انسحبت سوريا بالفعل بعد نحو ثلاثين عاماً من النفوذ المباشر. لكن الفراغ الذي تركته لم تملأه دولة لبنانية قوية، بل فُتح الباب أمام نفوذ إقليمي آخر أكثر تعقيداً.
منذ الثمانينيات، كانت إيران تبني حضورها في لبنان عبر حزب الله. في البداية، ارتبط هذا الحضور بمقاومة الاحتلال الإسرائيلي، وهي قضية حظيت بشرعية واسعة لدى كثير من اللبنانيين، خصوصاً في ظل عجز الدولة عن حماية أرضها وحدودها. لكن بعد عام 2005، ومع تغيّر موازين المنطقة، أصبح السؤال أكثر حساسية: من يملك القرار الفعلي في لبنان؟
فالدولة لا تكتمل إلا عندما تحتكر السلاح، والقرار الأمني، وقرار الحرب والسلم. أما عندما يكون السلاح خارج مؤسساتها، وعندما يصبح قرار استراتيجي مرتبطاً بحسابات إقليمية، فإن الدولة تتحول إلى إطار شكلي، لا إلى سلطة حقيقية.
وهنا جوهر الأزمة اللبنانية.
الدولة القوية لا تعني دولة بوليسية، ولا تعني هيمنة طائفة على أخرى، ولا إلغاء خصوصية لبنان. الدولة القوية تعني، ببساطة، قانوناً واحداً، وجيشاً واحداً، وقراراً واحداً، ومؤسسات قادرة على محاسبة الجميع بلا استثناء.
لكن هذه الدولة تخيف كثيرين.
الزعيم الطائفي يخافها لأنها تنهي زبائنيته. والفاسد يخافها لأنها تفتح دفاتر المحاسبة. والحزب المسلّح يخافها لأنها تسحب منه حق القرار المستقل. والخارج يخافها لأنها تنهي استخدام لبنان كساحة رسائل وصراعات.
لهذا تبدو الدولة القوية في لبنان شعاراً جميلاً في الخطابات، لكنها تصبح فكرة مقلقة عند أول اختبار جدي. الجميع يريد دولة تحميه، لكن كثيرين لا يريدون دولة تحاسبهم. الجميع يطالب بالقانون عندما يطال الآخر، لكنه يرفضه عندما يقترب منه.
ثم جاء انفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020 ليكشف الحقيقة كاملة. لم يكن مجرد انفجار في مدينة، بل انفجاراً في مفهوم الدولة نفسها: دولة لا تعرف ماذا يُخزّن في مرفئها، أو تعرف ولا تقرر؛ دولة يعجز قضاؤها عن الوصول إلى الحقيقة الكاملة؛ ودولة تضيع فيها المسؤولية بين الحصانات والتدخلات والاصطفافات.
بعد أكثر من مئة عام على قيام لبنان الكبير، ما زال السؤال نفسه يلاحقنا: هل يريد اللبنانيون دولة فعلاً؟
الدولة ليست علماً يُرفع، ولا نشيداً يُنشد، ولا خطاباً عن السيادة. الدولة هي سلطة تحكم، وقانون يُطبّق، وقضاء يُحاسب، وجيش يحتكر السلاح، وقرار لا يُدار من خارج الحدود.
لكن قيام هذه الدولة يعني نهاية مرحلة كاملة من التاريخ اللبناني: نهاية الزعامة التي تحتمي بالطائفة، ونهاية السلاح الذي يعلو على المؤسسة، ونهاية الخارج الذي يتعامل مع لبنان كساحة لا كوطن.
ولهذا يخاف كثيرون من الدولة القوية؛ لأنها، ببساطة، ستفعل ما لم يحدث منذ قرن: ستجعل لبنان دولة.
ومن هنا يبدأ السؤال الحقيقي: هل ما زال أمام لبنان فرصة لبناء دولة، أم أننا نواصل السير نحو وطنٍ يُدار بالأزمات بدل أن يُحكم بالمؤسسات؟
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
خلف صورة القوة الاقتصادية والنفوذ العالمي، تخوض أكبر اقتصادات العالم معركة أخرى صامتة: سباق الاقتراض، حيث باتت الديون تتضخم بوتيرة تقترب من حجم الاقتصاد العالمي نفسه.
نبض