كازاخستان تكبح الطموح التركي: منظمة الدول التركية ليست حلفا عسكريا
شفيق طاهر
في قمة تركستان، رسم الرئيس الكازاخي قاسم جومارت توكاييف حدود الدور التركي في آسيا الوسطى، تعاون اقتصادي ورقمي نعم، عسكرة الهوية التركية لا.
لم يكن كلام الرئيس الكازاخي في القمة غير الرسمية لمنظمة الدول التركية، التي عقدت في مدينة تركستان في 15 مايو/أيار 2026، مجرد موقف عابر في مناسبة إقليمية. فقد أرادت أستانة توجيه رسالة سياسية محسوبة، منظمة الدول التركية ليست مشروع حلف عسكري، ولا ينبغي تحويلها إلى تكتل جيوسياسي يستفز القوى الكبرى المحيطة بآسيا الوسطى.
قال توكاييف بوضوح إن المنظمة ليست مشروعا جيوسياسيا ولا منظمة عسكرية، بل منصة لتعزيز التعاون التجاري والاقتصادي والتقني والرقمي والثقافي والإنساني. في ذلك رفض صريح للاتجاه الذي تحاول أنقرة، ومعها باكو بدرجة متفاوتة، دفعه إلى الواجهة، مستفيدة من تصاعد الخطاب حول العالم التركي ومن التحولات التي فتحت شهية قوى إقليمية على مناطق النفوذ السوفييتي السابق.
خسارة تركية بحدود كازاخية
تعد تركيا الخاسر السياسي الأبرز من هذا الموقف الكازاخي. فأنقرة لم تنظر إلى منظمة الدول التركية باعتبارها مجرد إطار ثقافي أو اقتصادي، بل بوصفها مساحة تعزز حضورها في آسيا الوسطى، وتمنحها عمقا استراتيجيا يمتد من الأناضول إلى أذربيجان، ثم إلى كازاخستان وأوزبكستان وقرغيزستان.

خلال السنوات الماضية، عملت تركيا على توسيع نفوذها عبر الصناعات الدفاعية، ولا سيما المسيّرات، وعبر مشاريع النقل والطاقة، وفي مقدمتها الممر الأوسط الذي يربط الصين بأوروبا عبر آسيا الوسطى والقوقاز. وهنا تكمن دقة الموقف الكازاخي. فأستانة لا تغلق الباب أمام تركيا، ولا تنفي أهمية التعاون الدفاعي معها، لكنها ترفض أن تتحول المنظمة إلى منصة أمنية بقيادة تركية. بكلمات أخرى، تستطيع كازاخستان شراء السلاح أو تطوير صناعات دفاعية مشتركة مع تركيا، لكنها لا تريد دفع ثمن سياسي في علاقتها مع موسكو أو بكين.

الأستانة وموقع الأمين العام للأمم المتحدة
تتحرك كازاخستان ضمن هامش دقيق بين القوى الكبرى. فهي لا تريد خسارة روسيا، الشريك التاريخي والجغرافي والأمني، ولا تريد استفزاز الصين، القوة الاقتصادية الكبرى في جوارها الشرقي، كما لا ترغب في إغلاق الباب أمام تركيا والغرب. لذلك تعتمد أستانة سياسة توازن حذرة، الانفتاح من دون ارتهان، والتعاون من دون اصطفاف.
ويكتسب موقف الرئيس توكاييف بعدا إضافيا في ظل تداول إعلامي لاحتمال طموحه إلى دور دولي أكبر، بما في ذلك موقع الأمين العام للأمم المتحدة، من دون أن يكون ذلك ترشحا رسميا. فالرجل، الآتي من خلفية دبلوماسية، يدرك أن الطريق إلى موقع دولي بهذا الحجم لا يمر عبر الاصطفافات الحادة، بل عبر تقديم نفسه بوصفه رجل توازن وتعددية واستقرار.
الرقمنة بديلا من العسكرة
المفارقة أن قمة منظمة الدول التركية خصصت أساسا للذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي. وقد طرحت خلالها أفكار مثل الممر التركي الرقمي، والتعاون في الأمن السيبراني، وتطوير التكنولوجيا والفضاء. هذه العناوين تبدو أقرب إلى الرؤية الكازاخية للمنظمة، تعاون في الاقتصاد والتكنولوجيا والنقل والاتصالات، لا انتقال إلى منطق الأحلاف العسكرية.
صحيح أن كازاخستان تنفتح على التكنولوجيا الدفاعية التركية، وأن التعاون في مجال المسيّرات والصناعات العسكرية يتقدم بين البلدين، لكن أستانة تميز بين تحديث جيشها وتنويع مصادر تسليحها، وبين بناء تحالف عسكري جديد. فهي تريد مكاسب التعاون مع أنقرة، من دون أن تظهر كجزء من محور ضد روسيا أو الصين.
كشفت قمة تركستان حدود المشروع التركي في آسيا الوسطى. ستبقى تركيا لاعبا مهما في المنطقة، لكنها ليست قادرة حتى الآن على تحويل منظمة الدول التركية إلى منصة عسكرية بقيادتها. أما كازاخستان، فقد قالت بوضوح، نعم للتعاون التركي، لا لعسكرة الهوية التركية، نعم للممرات الاقتصادية والرقمية، لا لمحاور جديدة قد تشعل منطقة شديدة الحساسية. في النهاية، لم ترفض أستانة تركيا، لكنها رفضت أن تتحول منظمة الدول التركية إلى ذراع عسكرية لطموح أنقرة.
نبض