الطائفة الشيعية في لبنان بين عبء التضحية وأزمة التمثيل

منبر 19-06-2026 | 12:16

الطائفة الشيعية في لبنان بين عبء التضحية وأزمة التمثيل

ليست المأساة الحقيقية في المجتمعات أن تدفع أثماناً باهظة في الحروب والأزمات، بل أن تتحول تلك الأثمان مع مرور الزمن إلى أمرٍ اعتيادي، وأن يصبح الألم جزءاً من المشهد اليومي الذي لا يثير مساءلةً ولا مراجعةً ولا محاسبة.
الطائفة الشيعية في لبنان بين عبء التضحية وأزمة التمثيل
نازحة في بيروت
Smaller Bigger

 حيدر الأمين

 

 

ليست المأساة الحقيقية في المجتمعات أن تدفع أثماناً باهظة في الحروب والأزمات، بل أن تتحول تلك الأثمان مع مرور الزمن إلى أمرٍ اعتيادي، وأن يصبح الألم جزءاً من المشهد اليومي الذي لا يثير مساءلةً ولا مراجعةً ولا محاسبة.

وفي لبنان، تبدو الطائفة الشيعية اليوم واحدة من أكثر الفئات التي دفعت أكلافاً بشرية واقتصادية واجتماعية هائلة خلال العقود الماضية. فمن الجنوب إلى البقاع إلى الضاحية، تراكمت التضحيات وتكررت الخسائر، حتى باتت أجيالٌ كاملة تعيش بين ذاكرة الحروب وقلق المستقبل وانعدام الاستقرار.

غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس عن حجم التضحيات، فذلك أصبح معلوماً للجميع، بل عن حصيلة هذه التضحيات على المستوى الإنساني والاجتماعي والاقتصادي. ماذا جنت البيئات التي دفعت الأثمان الكبيرة؟ وما الذي حصل عليه المواطن العادي الذي خسر منزله أو رزقه أو استقراره أو أبناءه؟

لقد نشأت لدى كثير من أبناء الطائفة الشيعية حالة متزايدة من الإرهاق الجماعي. إرهاق لا يرتبط فقط بالحرب أو النزوح أو الضغوط الاقتصادية، بل أيضاً بالشعور بأن معاناتهم تُستثمر سياسياً أكثر مما تُعالج عملياً. فكلما وقعت أزمة كبرى، يعود المواطن البسيط إلى نقطة الصفر، فيما تبقى النخب السياسية والحزبية قادرة على إعادة إنتاج مواقعها وأدوارها وخطاباتها.

إن المشكلة ليست في الانتماء السياسي بحد ذاته، ولا في حق أي جماعة في الدفاع عن خياراتها وقناعاتها، بل في تحوّل بعض البيئات الشعبية إلى خزّان دائم للتضحيات، مقابل غياب نقاش جدي حول التنمية والعدالة والفرص ومستقبل الأجيال القادمة.

فالمجتمع الذي يُطلب منه دائماً أن يصبر، وأن يضحي، وأن يتحمل، من حقه أيضاً أن يسأل: ماذا عن حقه في العيش الكريم؟ ماذا عن حقه في دولة تحميه؟ ماذا عن حقه في اقتصاد منتج وتعليم متطور وفرص عمل واستقرار اجتماعي؟

لقد كشفت الحروب والأزمات الأخيرة حجم الفجوة بين الناس والمؤسسات. ففي لحظات الخطر الكبرى، وجد كثيرون أنفسهم يواجهون مصيرهم بإمكانات محدودة، فيما بدت الدولة عاجزة أو غائبة عن أداء دورها الطبيعي في الحماية والإغاثة وإدارة الكوارث. وهنا تتولد المرارة، ليس فقط من ضعف الدولة، بل من شعور المواطن بأنه تُرك وحيداً في أصعب اللحظات.

أما الجنوب، الذي كان دائماً عنواناً للصمود والتضحية، فلا ينبغي أن يبقى مجرد ساحة مفتوحة للخسائر المتكررة. فكرامة الجنوب لا تكون فقط بتمجيد تضحياته، بل أيضاً بحماية أهله وتنمية قراه وتأمين مستقبل أبنائه. ولا يجوز أن يبقى سكانه يدفعون الفواتير الكبرى فيما تبقى الأسئلة الجوهرية حول التنمية والعدالة مؤجلة إلى أجل غير معلوم.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي جماعة بشرية هو أن تعتاد الألم إلى درجة التعايش معه، وأن تعتبر الحرمان قدراً، والخسارة مصيراً، والتضحية واجباً دائماً لا يقابله أي حق. فالأمم الحية لا تُبنى بالتضحيات وحدها، بل ببناء الإنسان وصون كرامته وحماية مستقبله.

ومن هنا، فإن الحاجة اليوم ليست إلى مزيد من الشعارات، بل إلى مراجعة صادقة وشجاعة. مراجعة تسأل عن الإنسان قبل السياسة، وعن المجتمع قبل السلطة، وعن المستقبل قبل الحسابات الآنية.

فالطائفة الشيعية لم تكن يوماً مجرد رقم انتخابي أو رصيداً سياسياً لأحد، بل هي جماعة وطنية عريقة، ساهمت في صناعة لبنان الحديث، وقدمت من التضحيات ما يكفي لتثبت حضورها ودورها. ولذلك فإن الوفاء الحقيقي لهذه التضحيات لا يكون بطلب المزيد منها، بل بالعمل على أن يتحول أبناؤها من حالة الاستنزاف الدائم إلى حالة الشراكة الكاملة في وطنٍ عادلٍ وقادرٍ يحفظ كرامة جميع أبنائه.

العلامات الدالة