هل نشتري التفاؤل؟ الأسواق تراهن على اتفاق أميركي إيراني

منبر 17-06-2026 | 13:37

هل نشتري التفاؤل؟ الأسواق تراهن على اتفاق أميركي إيراني

ببساطة: وزع استثماراتك. جزء في الأسهم التي تكسب من تحسن المزاج (مثل التكنولوجيا والنقل إذا استمر النفط منخفضاً)، وجزء في الذهب أو السندات قصيرة الأجل كتحوط.
هل نشتري التفاؤل؟ الأسواق تراهن على اتفاق أميركي إيراني
ذهب ودولار. (رويترز)
Smaller Bigger

د.محمود منصور - دكتوراه في عالم الاقتصاد والمال

 

لم تنتظر الأسواق توقيع الاتفاق بين أميركا وإيران. بمجرد أن تسللت أنباء عن قرب التوصل إلى تفاهم، قفزت المؤشرات، وزاد الإقبال على الأسهم، وبدأ النفط في التراجع. كأن المستثمرين قالوا لأنفسهم: "حسناً، ربما لن نشهد حرباً في الخليج، ولن تنقطع إمدادات الطاقة". وهكذا بدأوا يسعّرون سيناريو أكثر هدوءاً، حتى قبل أن يُقرأ أي بند من بنود الاتفاق.

 

لكن، هل هذا التفاؤل في مكانه؟ تاريخياً، تعلمنا ألا نركض خلف كل ومضة أمل. تذكر مثلاً اتفاق إيران مع مجموعة 5+1 عام 2015 (خطة العمل الشاملة المشتركة). حينها، هبط النفط بشدة قبل التوقيع الرسمي، وصعدت الأسهم، لكن بعد التنفيذ الفعلي وتخفيف العقوبات، تقلب المشهد أكثر من مرة بسبب الانسحاب الأميركي لاحقاً والعودة إلى التصعيد. أو حتى على صعيد آخر: صفقة أوبك+ في نيسان/أبريل 2020 لخفض الإنتاج، حين ارتفعت الأسعار فور إعلان الخبر، لكنها عادت وتراجعت بعد أسابيع حين أظهرت البيانات أن الطلب ما زال منهاراً بسبب الجائحة.

 

المشكلة أن الأسواق تحب الحكايات الجميلة أولاً، ثم تسأل عن التفاصيل لاحقاً. وأي تعثر في المفاوضات أو غموض في النقاط الساخنة (مثل البرنامج النووي) كفيل بأن يعيد النفط للصعود والصدمة للأسواق.

 

الذهب: العجوز الذهبي لم يخنه أحد
في عالم تتهادى فيه الأسهم فرحاً، تراه يرتفع. غريب؟ ليس تماماً. الذهب هذه المرة ليس خائفاً من الحرب، بل يحلم بخفض الفائدة. المستثمرون يراهنون على أن بنك الاحتياطي الفيدرالي سيخفض أسعار الفائدة قريباً (كما حدث في 2007 و2019)، وهذا يضعف الدولار ويجعل الذهب أكثر جاذبية. إضافة إلى أن البنوك المركزية (خصوصاً الصين وتركيا والهند) لا تزال تشتريه بشره، وكأنها لا تثق بأي عملة ورقية.

 

الأمثلة التاريخية هنا كثيرة: في 2011، حين كانت أميركا تلوّح بـ"الجرف المالي" وخفض التصنيف الائتماني، ارتفع الذهب رغم أن شهية المخاطرة كانت أحياناً مرتفعة. وفي 2019، مع بداية حرب ترامب التجارية، صعد الذهب والأسهم معاً في فترات كثيرة. لماذا؟ لأن الذهب لم يعد مجرد "ملاذ آمن" بالمعنى الكلاسيكي، بل أصبح أيضاً أداة تحوط ضد التضخم المستقبلي وسياسات البنوك المركزية المتساهلة.

 

النفط: الخبر السار لمن يشتري البنزين
على الجانب الآخر، النفط يئن. لماذا؟ لأن إيران قد تعيد ضخ 1.5 مليون برميل يومياً إضافية للسوق. وهذا يذكرنا بـ2015-2016، حين عاد النفط الإيراني بعد رفع العقوبات، فتدحرج سعر برميل النفط من 100 دولار إلى 27 دولاراً في أوائل 2016. ليس بالضرورة أن يتكرر السيناريو نفسه، لكن العبرة واحدة: زيادة المعروض في سوق لا يعاني أصلاً من عجز حاد = انخفاض الأسعار.

 

وهنا الخبر الجميل: تراجع النفط يعني تخفيف ضغط التضخم على المستهلكين والشركات. شركات الطيران ستربح، وكذلك شركات النقل البري وسلاسل الإمداد. وهذا يقلل من كابوس "الركود التضخمي" الذي كان يخيف الجميع في 2022-2023.

 

كيف نتصرف الآن؟ ثلاثة سيناريوات تاريخية تستحق التذكر
بدلاً من الاندفاع وراء العناوين الرئيسية، تأمل ثلاث قصص من الماضي:
أولاً، صفقة إيران النووية 2015 ارتفعت الأسهم وانخفض النفط قبل التوقيع، لكن بعد التنفيذ، حدثت تقلبات كبيرة بسبب الخلافات التنفيذية والانسحاب الأميركي لاحقاً. الدرس الاول: لا تراهن طويلاً على خبر لم يُكتب بعد.
ثانياً، حرب أسعار النفط 2014-2016 حين انهارت الأسعار من 115 دولاراً إلى 30 دولاراً، كانت شركات الطاقة في حالة ذهول، بينما استفادت شركات النقل والمستهلكون. 

 

الدرس الثاني: من يربح ومن يخسر يعتمد على مدة الانخفاض ومدى استعدادك.

 

ثالثاً، أزمة سقف الديون الأميركية 2011 و2023 الأسواق كانت دائماً تتفاءل بالحل في اللحظات الأخيرة، لكن التقلبات كانت عنيفة. 

 

الدرس الثالث: كن مرناً، ولا تخلط بين "التفاؤل المبكر" و"الواقع المستقر".

 

نصيحة عملية: لا تضع كل البيض في سلة التفاؤل
ببساطة: وزع استثماراتك. جزء في الأسهم التي تكسب من تحسن المزاج (مثل التكنولوجيا والنقل إذا استمر النفط منخفضاً)، وجزء في الذهب أو السندات قصيرة الأجل كتحوط. وتذكر أن القطاعات المستفيدة من انخفاض الطاقة (النقل، البتروكيماويات كثيفة الاستهلاك، وبعض السلع الاستهلاكية) قد تحقق أرباحاً إضافية. أما الذهب، فلا تنظر إليه كبديل للأسهم، بل كـ"قمر صناعي" في محفظتك لا يقود الصاروخ، لكنه يحميه من الانحراف. ولا تنسَ أن السياسات النقدية والتضخم هما اللذان يحددان مصير الذهب، وليس مجرد أخبار من فيينا أو الدوحة. نعم، المشهد أفضل مما كان قبل شهر. نعم، النفط الهابط يريح المستهلك، والذهب الصاعد يحمي من تقلبات السياسات النقدية. لكن تذكر: هذا التفاؤل مبني على اتفاق لم يوقّع بعد. وكم من مرة رأينا الصفقات تتعثر في اللحظات الأخيرة (مثل اتفاق بريكست، أو صفقة سقف الديون الأميركية بين بايدن وماكارثي).

 

المرونة، التنويع، وعدم وضع كل رأس مالك في رهان واحد، هي المفاتيح الذهبية. استمتع بالمكاسب إذا جاءت، لكن أبقِ عيناً على الأفق، ويداً على زر الحماية.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

شمال إفريقيا 6/16/2026 11:26:00 PM
لغز "الأتوبيس الأسود" في القاهرة ينتهي.. والداخلية تكشف التفاصيل
رياضة 6/9/2026 10:20:00 PM
لم يشهد تاريخ كأس العالم سوى حالة واحدة فقط واجه فيها شقيقان بعضهما البعض
رياضة 6/15/2026 9:19:00 PM
مصر تأخذ نقطة مستحقة من بلجيكا القوية