قضاة في الخدمة

منبر 15-06-2026 | 11:06

قضاة في الخدمة

في بلدٍ تملأ ساحاته خطابات السيادة والحرية، يبقى هناك تابو (محرم) مسكوت عنه، يمثل الجريمة الكبرى بحق فكرة الدولة؛ إنه ملف "القضاة في الخدمة" والابتزاز السياسي للقضاء. عندما تسقط السلطة القضائية في فخ التبعية
قضاة في الخدمة
أرشيفية
Smaller Bigger

محمود الخراط

 

 

في بلدٍ تملأ ساحاته خطابات السيادة والحرية، يبقى هناك تابو (محرم) مسكوت عنه، يمثل الجريمة الكبرى بحق فكرة الدولة؛ إنه ملف "القضاة في الخدمة" والابتزاز السياسي للقضاء. عندما تسقط السلطة القضائية في فخ التبعية، لا يسقط القانون وحده، بل تسقط معه شبكة الأمان الأخيرة للمواطن، وتتحول الدولة إلى غابة شرسة يحكمها الأقوى، وتُدار فيها العدالة لا بالمطارق والدساتير، بل بالولاءات والمحسوبيات.
تبدأ المشكلة من الجذر، أي من آلية التعيينات القضائية المقوننة في لبنان. بموجب نظام التنظيم القضائي الحالي، تخضع المراكز الحسّاسة مثل رئيس مجلس القضاء الأعلى، والمدعي العام التمييزي، ومفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية لآلية مراسيم تصدر عن مجلس الوزراء. هنا، تصبح الكفاءة والنزاهة معايير ثانوية أمام شرط "الولاء الطائفي والسياسي". فالزعيم السياسي لا يبحث عن قاضٍ عادل، بل عن قاضٍ مضمون يدين له بالكرسي الذي جُلس عليه كهدية سياسية، مما يحوّل بعض القضاة، طوعاً أو كرهاً، إلى أدوات لتنفيذ الأجندات.
هذه التبعية أنتجت ما يمكن تسميته "غرف العمليات الافتراضية"، حيث تُدار القضايا المصيرية عبر كواليس مظلمة. كسر هذا التابو يعني الجرأة على كشف الآلية المقززة التي يجري بها توجيه الملفات؛ فاتصال هاتفي من مستشار زعيم، أو رسالة نصية قصيرة من مسؤول أمني في حزب مهيمن، كفيلة بقلب موازين القضية. الأوامر تأتي حاسمة: إما "جمّد الملف وهرّب المتهم" إذا كان تابعاً للمنظومة المالية أو السياسية، وإما "افتح ملفاً وركّب تهمة" إذا كان الهدف تصفية حساب سياسيّ مع معارض.
أما القضاة النزيهون الذين يقرّرون التمرّد والعمل بضميرهم المهني، فإنهم يواجهون ترسانة من أسلحة الابتزاز والترهيب. تبدأ العقوبات بـ "التشحير اللوجستي" عبر التشكيلات القضائية، حيث يُنقل القاضي "المشاغب" إلى محكمة نائية، أو يُجمد في منصب بلا صلاحيات، يُعرف قضائياً بـ "الوضع في التصرف". وإذا لم ينصع، تُسحب منه العناصر الأمنية المرافقة، وتُحجب عن مكتبه الميزانية والأوراق لتعطيل جلساته وتشويه إنتاجيته. وفي حال استمراره في المواجهة، تُطلق الأحزاب ماكيناتها الإعلامية لشيطنته، واتهامه بالتسييس، أو الطائفية، أو حتى بـ "الجنون"، لتدمير صدقيّته أمام الرأي العام.
لقد رأينا كيف دُمّرت ملفات كبرى على عتبة السياسة؛ فملف أموال المودعين والفساد المالي يُشلّ كلّما اقترب قاضٍ من كشف حسابات مشبوهة، وذلك عبر استخدام تعسفّي لحيل قانونية مثل طلبات "رد القاضي" أو "الارتياب المشروع". ولعل انفجار مرفأ بيروت يقف كشاهد حيّ وعالمي على كيف يمكن للسياسة أن تكفّ يد العدالة لسنوات طويلة، وتحرم أهالي الضحايا من الحقيقة لحماية حصانات الوزراء والنواب.
أمام هذا الواقع المأسوي، وضعت الهيئات الحقوقية المستقلّة آليات علمية للإصلاح، أولها إقرار قانون "استقلالية القضاء العدلي" الذي يتيح للقضاة انتخاب أعضاء مجلس القضاء الأعلى بأنفسهم، وإلغاء هيمنة وزير العدل. وتتضمن الآلية اعتماد تشكيلات قضائية شفّافة تعتمد الكفاءة وتلغي "الفيتو" السياسي الذي يجمّد المراسيم، كما تطالب بالاستقلال المالي الكامل للقضاء لتحصين القضاة معيشياً ضد الرشوة، وتفعيل جهاز "التفتيش القضائي" لمحاسبة الفاسدين علناً، وتعديل قوانين "كف اليد" لمنع المتهمين من شلّ التحقيقات بشكل تعسفي ولا نهائي.
لكن، لنكن واقعيين وبراغماتيين؛ في ظل الطبقة السياسية الحالية وهيمنة أحزاب تتغذّى أساساً على الفوضى، والمحسوبية، وغياب المحاسبة، فإن تطبيق هذه الآليات من داخل النظام يبدو مستحيلاً. المنظومة تعي تماماً أن وجود قضاء مستقلّ يعادل "الانتحار السياسي" لها. وبما أن الإصلاح الداخلي مغلق، يصبح كسر التابو بحاجة إلى مسارات بديلة، أولها "العولمة القضائية" من خلال رفع دعاوى في المحاكم الأوروبية والدولية ضد الفاسدين؛ وهي محاكم لا سلطة للأحزاب اللبنانية عليها. وثانيها خلق "رأي عام حامٍ" يحتضن القضاة الشجعان شعبياً وإعلامياً، ويمنع السلطة من الاستفراد بهم. وثالثها ربط إصلاح القضاء باشتراطات الدول المانحة وصندوق النقد الدولي، حيث قد تضطر السلطة إلى تقديم تنازلات قضائيّة مكرهةً لتجنب الاختناق المالي الكامل.
في النهاية، إن الخوف من كسر تابو "القضاة في الخدمة" هو ما يبقينا في قعر الانهيار. وإذا استمرّت الاستباحة السياسية لقوس المحكمة، فسيتوقف المواطن تماماً عن اللجوء للدولة، مما يفتح الباب شرعاً لـ "الأمن الذاتي"، وقانون الثأر، والاستقواء بالطائفة بدلاً من القانون. إن معركة تحرير القضاء ليست معركة قانونية بحتة، بل هي معركة وجودية لتحديد هوية لبنان: هل نرتضي العيش في زريبة يحكمها أمراء الطوائف، أم نطمح لدولة قانون تحمي كرامة الإنسان؟


المقاربة الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الاعلامية

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

طبخ 6/12/2026 11:22:00 AM

قصة "محروك إصبعه" التي تعكس تجارب الفقر والصعوبات التي عاشها كاظم الساهر في طفولته.

رياضة 6/4/2026 1:31:00 AM
فازت إيطاليا على لوكسمبورغ 1-0 في مباراة ودية، حيث سجل إسبوزيتو الهدف الوحيد في أول ظهور للمنتخب بعد الإخفاق في التأهل لمونديال 2026
رياضة 6/9/2026 10:20:00 PM
لم يشهد تاريخ كأس العالم سوى حالة واحدة فقط واجه فيها شقيقان بعضهما البعض
رياضة 6/13/2026 7:21:00 AM
موعد مباراة الجزائر ضد الأرجنتين في كأس العالم 2026 والقنوات الناقلة للمواجهة المرتقبة بين بطل العالم 2022 بقيادة ليونيل ميسي و"محاربي الصحراء" بقيادة رياض محرز