المعرفةُ المصلوبةُ على تخومِ الطَّوائفِ: ملفُّ التَّفرُّغِ، ومِقْصَلةُ إقصاءِ العلويِّينَ المستترِ

منبر 15-06-2026 | 10:44

المعرفةُ المصلوبةُ على تخومِ الطَّوائفِ: ملفُّ التَّفرُّغِ، ومِقْصَلةُ إقصاءِ العلويِّينَ المستترِ

قبلَ التَّفصيلِ، أطرحُ هذا التَّساؤلَ المصيريَّ الإشكاليَّ الوجوديَّ: أمامَ هذا التَّهميشِ المُطبِقِ لربعِ قرنٍ مَضى؛ كيفَ يمكنُ العلويّينَ إثباتُ هويَّتِهم الثَّقافيَّةِ، أو اللحاق بركب المستقبل اللُّبنانيِّ، إنْ تمَّ إخراجُهم قسراً من أهمِّ مرجعيَّةٍ ثقافيَّةٍ وفكريَّةٍ في البلادِ كالجَامعاتِ الوطنيَّةِ؟
المعرفةُ المصلوبةُ على تخومِ الطَّوائفِ: ملفُّ التَّفرُّغِ، ومِقْصَلةُ إقصاءِ العلويِّينَ المستترِ
تعبيرية
Smaller Bigger

الشَّيخ د. شادي عبده مرعي
(بالنِّيابةِ عنِ الدَّكاترةِ العلويِّينَ المستبعدِينَ)

 

قبلَ التَّفصيلِ، أطرحُ هذا التَّساؤلَ المصيريَّ الإشكاليَّ الوجوديَّ: أمامَ هذا التَّهميشِ المُطبِقِ لربعِ قرنٍ مَضى؛ كيفَ يمكنُ العلويّينَ إثباتُ هويَّتِهم الثَّقافيَّةِ، أو اللحاق بركب المستقبل اللُّبنانيِّ، إنْ تمَّ إخراجُهم قسراً من أهمِّ مرجعيَّةٍ ثقافيَّةٍ وفكريَّةٍ في البلادِ كالجَامعاتِ الوطنيَّةِ؟
إنَّ إقصاءَ هذه النُّخبِ ليسَ حِرماناً من وظيفةٍ أو عقدٍ؛ بل هوَ محاولةٌ لـ"تصفيرِ" حضورِهم المعرفيِّ، وعزلِهم عن المساهمةِ في صوغ الفكرِ اللُّبنانيِّ وتطوُّرِ الهويَّةِ الوطنيَّةِ. لكنَّ الرَّدَّ على هذا الحصارِ الممنهجِ لن يكونَ بالانكفاءِ أو الاستسلامِ لعقليَّةِ "التَّقيَّةِ السَّوداءِ" (الَّتي أدْمَنُوا اتِّهامَ العلويِّينَ بها)؛ بل باقتحامِ الفضاءِ الإنسانيِّ والكونيِّ عبرَ البحثِ العلميِّ العالميِّ، وتأسيسِ المناراتِ الثَّقافيَّةِ المستقلَّةِ، وفرضِ الحضورِ المعرفيِّ الذي لا يستمدُّ شرعيَّتَهُ من توقيعِ رئيسِ جامعةٍ عابرٍ، بل من عمقِ جذرٍ حضاريٍّ يستحيلُ استئصالُهُ.
المخاضُ الثَّنائيُّ ونداءُ الاستقلالِ الرُّوحيِّ:
اليومَ، يمرُّ مجتمعنا بمخاضٍ ثنائيٍّ دقيقٍ وحرجٍ: تلاحمٌ وجوديٌّ تفرضُهُ غريزةُ البقاءِ ووحدةُ الآلامِ والآمالِ التَّاريخيَّةِ، وفي المقابلِ تفكُّكٌ بنيويٌّ تقودُهُ نزعاتٌ جِيليَّةٌ وفكريَّةٌ صاعدةٌ تبحثُ عنِ الخلاصِ الفرديِّ عبرَ الهجرةِ والانصهارِ في الحداثةِ العالميَّةِ. وأمامَ التَّساؤلاتِ الإشكاليَّةِ النَّمطيَّةِ والسُّوداويَّةِ التي يرفعُها الآخرُ بجهلٍ مركَّبٍ أو بحقدٍ سياسيٍّ موجَّهٍ، تصبحُ "الجامعاتُ الوطنيَّةُ" — وفي مقدَّمها الجامعةُ اللُّبنانيَّةُ برصانتِها الأكاديميَّةِ — هيَ الصَّرحُ الطَّبيعيُّ والتَّاريخيُّ لتفكيكِ هذهِ التَّخرُّصاتِ بالأطاريحِ والرَّسائلِ العلميَّةِ العلنيَّةِ والجريئةِ (لتكمِلَ ما بدأَتْهُ أطاريحُ أدونيسَ، وموسوعاتُ الدُّكتورِ أسعدَ عليٍّ، ومسرحيّاتُ سعدِ الله ونُّوس، ودواوينُ آلافِ الشُّعراءِ، وعبقريّاتُ آلافِ المُحْدِثِينَ)، ثمَّ لتكفَّ بذلكَ الألسنُ عنِ اتِّهامِ هذا المكوِّنِ بالباطنيَّةِ، وتُفتَحَ الأبوابُ لبناءِ أهراماتٍ من الحبِّ والانفتاحِ الوطنيِّ.
والحديثُ عن الجامعةِ الأمِّ مُوغِلٌ بالألمِ:
فقد تأسَّستِ الجامعةُ اللُّبنانيَّةُ لتكونَ مِصهَراً جامعاً عابراً للزَّواريبِ، ومساحةً تلتصقُ فيها الكفاءةُ بالمعيارِ الأكاديميِّ الخالصِ. هيَ "جامعةُ الوطنِ" التي يُفترضُ أن تقودَ الفكرَ التَّنويريَّ، وتفكِّكَ العقولَ المتحجِّرةَ لصالحِ دولةِ المواطنةِ الحقَّةِ. لكنَّ الواقعَ الرَّاهنَ يشي بانتكاسةٍ خطيرةٍ، إذ تحوَّلتْ أروقتُها إلى ساحةِ فرزٍ طائفيٍّ ومذهبيٍّ يُقادُ بأدواتِ المحاصصةِ السِّياسيَّةِ المقيتةِ التي تبتلعُ الكفاءاتِ لحسابِ موازينِ القوى.
ستَّةُ دكاترةٍ ومِقْصَلةُ التَّمييزِ:
في مَلَفِّ التَّفرُّغِ الأخيرِ، لم تعُدْ قضيَّةُ الإقصاءِ مجرَّدَ استنتاجٍ فكريٍّ، بل تحوَّلتْ إلى واقعٍ توثيقيٍّ صارخٍ يختصرُهُ رقمٌ واحدٌ: ستَّةُ دكاترةٍ من المكوِّنِ العلويِّ أُسقِطَتْ أسماؤُهُم واستُبْعِدُوا جملةً وتفصيلاً من كشوفاتِ الإنصافِ. ستَّةُ أساتذةٍ استوفَوُا الشُّروطَ العلميَّةَ والأكاديميَّةَ، وبدلاً من أن تُفتَحَ لهم بوَّاباتُ الاستقرارِ المهنيِّ داخلَ جامعتِهم الوطنيَّةِ، جبهتْهُم عقليَّةُ "المحاصصةِ المقنَّعةِ" لتُحيلَ ملفَّاتِهم إلى تهميشٍ ممنهجٍ يُدارُ خلفَ السِّتارِ. إنَّ إخراجَ هذا العددِ المحدَّدِ والكاملِ للنُّخَبِ الأكاديميَّةِ لهذا المكوِّنِ يعكسُ آليَّةَ الفرزِ الطَّائفيِّ التي تزنُ الجدارةَ بميزانِ الصَّيدليِّ المذهبيِّ لا بميزانِ العطاءِ المعرفيِّ والبحثيِّ والتَّعليميِّ. هذا النَّهجُ لا يظلمُ ستَّةَ عقولٍ مبدعةٍ فحسبْ، بل يطعنُ هويَّةَ الجامعةِ في صميمِها ويحرمُ الطُّلابَ طاقاتٍ فكريَّةٍ مشريقيَّةٍ أصيلةٍ.
تاريخٌ من الفضائحِ والاستعلاءِ الدائريِّ:
إنَّ ما يندى له الجبينُ هوَ أنَّ هذا الإلغاءَ مسارٌ متراكمٌ من الاستخفافِ؛ منذُ فضائحِ ملفِّ 2009، مروراً بملفِّ 2014، وصولاً إلى الملفِّ الكارثيِّ الحاليِّ. مَدى أكثرَ من عقدٍ ونصف عقد، تتبدَّلُ الحكوماتُ وتُنسَفُ الضَّوابطُ العلميَّةُ لترضيةِ زواريبِ الطوائف، ويبقى الثَّابتُ الوحيدُ هوَ تصفيرُ حضورِ الكفاءاتِ العلويَّةِ. وبما أن العُرْفَ الإداريَّ يشي بأنَّ التَّفرُّغَ القادمَ لن يرى النُّورَ قبلَ 10 سنواتٍ، فإنَّ شطبَ الدَّكاترةِ السِّتَّةِ اليومَ هوَ حكمٌ بالإعدامِ الأكاديميِّ والحرمانِ يفوقُ 25 عاماً متواصلةً لجيلٍ كاملٍ (ربعَ قرنٍ تصوَّرُوا...).
فضيحةُ الأرقامِ وسقوطُ الأقنعةِ:
بناءً على المحاصصةِ العُرفيَّةِ ونسبةِ التَّمثيلِ النِّيابيِّ، تبلغُ حصَّةُ المكوِّنِ العلويِّ (26) دكتوراً من أصلِ (1700) شملَهُم التَّفرُّغُ أخيراً (حيثُ يمثِّلُ الطَّائفةَ العلويَّةَ نائبانِ من أصلِ 128 نائباً)،  ورغمَ تقدُّمِ(6) دكاترةٍ فقط، جرى تصفيرُ حصَّتِهم وشطبُهم بالكاملِ. نتطلَّعُ اليومَ الى رئاسةِ الجامعةِ لتخطِّي عقبةَ غيابِ "عقودِ التَّعاقدِ"، أسوةً بسابقةِ ملفِّ (2014) حين أُقرَّ تفرُّغُ (1213) أستاذاً بلا شروطٍ مسبقةٍ، وهو أمر نثق بأن حنكة رئاسة الجامعة قادرة على تخطيه وتفكيك هذه الحلقة التي تحرم كفاءاتنا الفرص المتساوية ابتداءً ولاحقاً . 
كسرُ الجدرانِ.. نحو المواطنة:
أمامَ إيصادِ الأبوابِ الرَّسميَّةِ، يصبحُ الصَّمتُ تواطُؤاً. إنَّ هذا السُّلُوكَ يدفعُنا مجبرِينَ إلى نقلِ المعركةِ إلى الفضاءِ العامِّ ومنابرِ الإعلامِ الحرَّةِ؛ فالضَّوءُ الكاشفُ كفيلٌ تفكيكِ جدرانِ المحاصصةِ المقنَّعةِ.
إنَّ المطالبةَ بإنصافِ الدَّكاترةِ العلويِّينَ السِّتَّةِ ليستْ مطلباً فِئويّاً، بل هيَ معركةُ الدِّفاعِ عن هويَّةِ الجامعةِ اللُّبنانيَّةِ كمنبرٍ للحقِّ والجَدارةِ. على هذه المنظومةِ الاغتسالُ من وَحْلِ التَّوظيفِ السِّياسيِّ للملفَّاتِ الأكاديميَّةِ، فبناءُ دولةِ المواطنةِ الحقَّةِ يبدأُ منَ احترامِ الكفاءةِ، لتظلَّ الجامعةُ منارةً حرَّةً للحبِّ، والانفتاحِ، والضَّوءِ المعرفيِّ.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

طبخ 6/12/2026 11:22:00 AM

قصة "محروك إصبعه" التي تعكس تجارب الفقر والصعوبات التي عاشها كاظم الساهر في طفولته.

رياضة 6/4/2026 1:31:00 AM
فازت إيطاليا على لوكسمبورغ 1-0 في مباراة ودية، حيث سجل إسبوزيتو الهدف الوحيد في أول ظهور للمنتخب بعد الإخفاق في التأهل لمونديال 2026
رياضة 6/9/2026 10:20:00 PM
لم يشهد تاريخ كأس العالم سوى حالة واحدة فقط واجه فيها شقيقان بعضهما البعض
رياضة 6/13/2026 7:21:00 AM
موعد مباراة الجزائر ضد الأرجنتين في كأس العالم 2026 والقنوات الناقلة للمواجهة المرتقبة بين بطل العالم 2022 بقيادة ليونيل ميسي و"محاربي الصحراء" بقيادة رياض محرز