الجهل المؤسِّس والجهل المقدَّس والجهل المبرمج في آليات إعادة إنتاج الوعي الزائف في المجتمع المعاصر

منبر 15-06-2026 | 10:19

الجهل المؤسِّس والجهل المقدَّس والجهل المبرمج في آليات إعادة إنتاج الوعي الزائف في المجتمع المعاصر

ليس الجهل حالةً واحدةً يمكن اختزالها في نقص المعلومات أو محدودية التحصيل المعرفي، بل هو ظاهرة مركبة ومعقدة تتخذ أشكالًا متعددة، تتفاوت في مصادرها وآليات اشتغالها وآثارها في الفرد والجماعة.
الجهل المؤسِّس والجهل المقدَّس والجهل المبرمج في آليات إعادة إنتاج الوعي الزائف في المجتمع المعاصر
تعبيرية
Smaller Bigger

العربي الحميدي – المغرب 

 

ليس الجهل حالةً واحدةً يمكن اختزالها في نقص المعلومات أو محدودية التحصيل المعرفي، بل هو ظاهرة مركبة ومعقدة تتخذ أشكالًا متعددة، تتفاوت في مصادرها وآليات اشتغالها وآثارها في الفرد والجماعة. ولعل من أبرز هذه الأشكال ما يمكن تسميته الجهل المؤسِّس، والجهل المقدَّس، والجهل المبرمج؛ وهي أنماط متداخلة تتفاعل في ما بينها لتنتج أنساقاً ثقافية واجتماعية تساهم في تشكيل الوعي الجمعي وتوجيهه.
إن خطورة هذه الأنماط لا تكمن في كونها تعوق اكتساب المعرفة فحسب، بل في قدرتها على إعادة إنتاج ذاتها عبر الأجيال، حتى تصبح جزءاً من البنية الذهنية والثقافية للمجتمع، يصعب الانفكاك عنها أو مساءلتها. 
الجهل المؤسِّس: حين يتحول القصور المعرفي إلى بنية اجتماعية 
لا يُقصد بالجهل المؤسِّس مجرد غياب المعرفة، وإنما ذلك النمط من الجهل الذي يُنتَج ويُعاد إنتاجه داخل المؤسسات التربوية والاجتماعية والثقافية، حتى يصبح جزءاً من آليات التنشئة وصناعة الوعي.
فحين تُربّى الأجيال على التلقين بدل التفكير، وعلى الحفظ بدل الفهم، وعلى الامتثال بدل الحوار، فإننا نكون أمام منظومة تنتج أفراداً قادرين على استظهار المعلومات، لكنهم عاجزون عن مساءلتها أو نقدها. وهكذا يتحول التعليم من فضاء لبناء العقل إلى وسيلة لإعادة إنتاج القناعات السائدة من دون تمحيص.
وتظهر آثار هذا الجهل منذ السنوات الأولى من العمر، حين يُقابَل فضول الطفل الطبيعي بالإسكات أو الاستهجان، فيتعلم أن الطاعة أكثر أماناً من السؤال. ومع مرور الزمن، يتكرس هذا النمط في المدرسة والأسرة ووسائل التنشئة المختلفة، فيصبح جزءاً من الشخصية الاجتماعية للفرد.
أما في مرحلة الشباب، فتظهر نتائجه في ضعف المبادرة الفكرية وقلة القدرة على الابتكار، بينما يتحول عند الكبار إلى منظومة من القناعات الراسخة التي يعاد نقلها إلى الأجيال اللاحقة، بما يضمن استمرار الحلقة ذاتها من إعادة إنتاج الجهل.
الجهل المقدَّس: حين يكتسب الجهل حصانة رمزية واعتقد انها الاصعب في هذه الحلقة
إذا كان الجهل المؤسِّس يستمد قوته من المؤسسات، فإن الجهل المقدَّس يستمدها من السلطة الرمزية (الدينية) التي تحيط به. وهو ذلك الجهل الذي يُغلَّف برداء القداسة، فيُمنح حصانةً تحول دون نقده أو مساءلته.
ولا يتعلق الأمر بالدين في جوهره، فالأديان الكبرى كانت، في مراحل كثيرة من التاريخ، حافزاً على التفكير والتأمل والبحث، وإنما يتعلق باستعمال المقدس وسيلةً لتجميد العقل وإغلاق أبواب الاجتهاد. ففي ظل هذا النمط من الجهل، يتحول بعض التصورات البشرية إلى حقائق مطلقة، ويُنظر إلى السؤال على أنه خروج عن المألوف، وإلى النقد باعتباره تهديداً للثوابت.
وتكمن خطورة الجهل المقدس في أنه لا يمنع الوصول إلى المعرفة فحسب، بل يجعل الامتناع عن البحث فضيلةً في نظر أصحابه. وهكذا تنشأ أجيال تتردد في طرح الأسئلة الجوهرية، خشية الاصطدام بالمحظورات الفكرية أو الاجتماعية.
ويؤدي هذا، على المدى البعيد، إلى انغلاقٍ ثقافي يحدّ من قدرة المجتمع على التجدد، ويجعل كثيراً من الأفكار والممارسات بمنأى عن المراجعة والتطوير، مهما تغيرت الظروف التاريخية والاجتماعية.
الجهل المبرمج: صناعة الوهم في عصر الوفرة المعلوماتية
أما الجهل المبرمج فهو أحد أبرز تجليات العصر الرقمي، بحيث لم يعد مرتبطاً بندرة المعلومات، بل أصبح نتيجة مباشرة لفيضها غير المنظم.
ففي عالمٍ تتدفق فيه الأخبار والصور والمقاطع المرئية على مدار الساعة، يجد الإنسان نفسه محاطاً بكمٍ هائل من المعطيات التي تتجاوز قدرته على التمحيص والفرز الأخبار الزائفة أو الأخبار الكاذبة او ما تسمى . Fake News ومن هنا ينشأ وهم المعرفة، إذ يعتقد الفرد أنه مطلع على كل شيء، بينما يظل فهمه للأحداث والقضايا سطحياً ومجزّأً.
لقد أفرزت المنصات الرقمية فضاءات جديدة لتشكيل الرأي العام، تتحكم بالخوارزميات وآليات التوجيه غير المرئية. ومع مرور الوقت، يصبح المتلقي أسيراً لمحتوى ينسجم مع ميوله المسبقة، فينغلق داخل دوائر فكرية مغلقة تعزز قناعاته بدل أن توسع آفاقه.
ويتأثر الأطفال بهذا النمط من خلال تعرضهم المبكر للمحتويات السريعة التي تضعف التركيز والتأمل، بينما يقع المراهقون تحت تأثير نماذج ثقافية وإعلامية تشكل ذوقهم وقيمهم. أما الشباب، فيجدون أنفسهم أمام إغراء المعرفة السهلة والسريعة، فيتراجع الاهتمام بالقراءة المتعمقة والبحث الرصين. ولا يسلم الكبار والمسنون بدورهم من هذا التأثير، إذ يصبحون أكثر عرضة لتصديق الأخبار المضللة والإشاعات المنتشرة عبر الوسائط الرقمية.
تداخل الأنماط الثلاثة
لا تكمن خطورة هذه الأنواع في وجود كل منها على حدة، بل في تفاعلها المستمر. فالجهل المؤسِّس يهيئ الأرضية النفسية والفكرية لقبول الأفكار من دون تمحيص، والجهل المقدَّس يضفي على تلك الأفكار حصانةً تحول دون مراجعتها، ثم يأتي الجهل المبرمج ليغمر المجال العام بكمٍ هائل من المعلومات الموجهة التي تصنع الوهم وتعيد إنتاجه.
وهكذا تتشكل دائرة مغلقة قوامها مؤسسات لا تشجع التفكير النقدي، وخطابات ترفض المساءلة، ومنصات إعلامية تغذي الاستهلاك السريع للمعلومات. وفي ظل هذه الدائرة، يصبح الوعي الجمعي أكثر هشاشة أمام التضليل، وأكثر قابلية للتوجيه والتلاعب.
إن مواجهة هذه الأشكال المتعددة من الجهل لا تتحقق بمجرد توفير المعلومات أو توسيع فرص التعليم، وإنما تتطلب بناء ثقافة جديدة قوامها العقل النقدي، واحترام السؤال، وتشجيع الحوار الحر، وترسيخ قيم البحث والتفكير المستقل.
فالمجتمعات التي تتقدم ليست بالضرورة تلك التي تمتلك أكبر قدر من المعلومات، بل تلك التي تمتلك القدرة على إنتاج المعرفة، ومراجعة المسلمات، وإخضاع الأفكار للنقاش والتقويم المستمر.
ومن ثم، فإن معركة الإنسان المعاصر ليست ضد الجهل بمعناه التقليدي فحسب، بل ضد الأشكال المستحدثة التي تتخفى وراء المؤسسة أو القداسة أو التكنولوجيا. فحين يتحرر العقل من هيمنة هذه الأنماط الثلاثة، يصبح أكثر قدرة على الإبداع والفهم والمشاركة الواعية في بناء المستقبل.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

طبخ 6/12/2026 11:22:00 AM

قصة "محروك إصبعه" التي تعكس تجارب الفقر والصعوبات التي عاشها كاظم الساهر في طفولته.

رياضة 6/4/2026 1:31:00 AM
فازت إيطاليا على لوكسمبورغ 1-0 في مباراة ودية، حيث سجل إسبوزيتو الهدف الوحيد في أول ظهور للمنتخب بعد الإخفاق في التأهل لمونديال 2026
رياضة 6/9/2026 10:20:00 PM
لم يشهد تاريخ كأس العالم سوى حالة واحدة فقط واجه فيها شقيقان بعضهما البعض
رياضة 6/13/2026 7:21:00 AM
موعد مباراة الجزائر ضد الأرجنتين في كأس العالم 2026 والقنوات الناقلة للمواجهة المرتقبة بين بطل العالم 2022 بقيادة ليونيل ميسي و"محاربي الصحراء" بقيادة رياض محرز