قراءة في الموقف الإسرائيلي من الاتفاق الأميركي - الإيراني

منبر 15-06-2026 | 10:05

قراءة في الموقف الإسرائيلي من الاتفاق الأميركي - الإيراني

في مشهدٍ جيوسياسي يفيض بالمتغيرات الحادة، تبرز الديبلوماسية الإيرانية كلاعبٍ استراتيجي نجح في تطويع الضغوط الدولية لصالحه، محولاً المسارات التفاوضية التي احتضنتها عواصم كإسلام أباد ومسقط خلال نيسان/أبريل 2026 إلى رافعةٍ لتعزيز النفوذ الإقليمي.
قراءة في الموقف الإسرائيلي من الاتفاق الأميركي - الإيراني
خريطة مضيق هرمز (أ ف ب).
Smaller Bigger

أكرم بزي

 

 

 

في مشهدٍ جيوسياسي يفيض بالمتغيرات الحادة، تبرز الديبلوماسية الإيرانية كلاعبٍ استراتيجي نجح في تطويع الضغوط الدولية لصالحه، محولاً المسارات التفاوضية التي احتضنتها عواصم كإسلام أباد ومسقط خلال نيسان/أبريل 2026 إلى رافعةٍ لتعزيز النفوذ الإقليمي. لقد تعمدت طهران ربط ملف لبنان بشكل عضوي بمسار المفاوضات الأميركية-الإيرانية، مؤكدة عبر تصريحات المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي بتاريخ 1 حزيران/يونيو الجاري (وكالة الأناضول)، أن وقف النار في لبنان يمثل شرطاً أساسياً وجزءاً لا يتجزأ من أي اتفاق ينهي الحرب مع الولايات المتحدة. هذا الربط المباشر أعاد الاعتبار للدور الإيراني كقوة إقليمية نافذة تتجاوز بقرارها السلطة الرسمية في بيروت، وتفرض ورقة لبنان على طاولة المفاوضات الدولية قبل انعقاد جلسات واشنطن الحاسمة.
وعلى النقيض من هذا الصعود الديبلوماسي، غرق بنيامين نتنياهو في ما يمكن وصفه بـ"الخطأ المميت"، عبر إصراره على توسيع العمليات العسكرية واستهداف الضاحية الجنوبية لبيروت في منتصف حزيران الجاري. هذه الخطوة، التي تجسدت في غارات عنيفة في 14 و15 من الجاري (الوكالة الوطنية للإعلام)، لم تكن سوى محاولة يائسة لترميم صورة الردع المتآكلة. وقد أثبتت هذه الضربات أن إسرائيل فقدت القدرة على فرض إرادتها السياسية عبر القوة الغاشمة، بل إنها عمقت أزمتها مع واشنطن التي باتت تنظر إلى هذه الاعتداءات كعقبات أمام إنجاز اتفاق إقليمي شامل كانت قد وضعت لمساته الأخيرة.
إن الحرب التي انطلقت في شباط/فبراير الماضي وضعت دولة الاحتلال في مواجهةٍ وجودية فرضتها تداعياتها، وفي قلب هذا المشهد المعقد، برز الاتفاق الأميركي- الإيراني كزلزال استراتيجي أعاد صياغة الأولويات، ووضع تل أبيب في مواجهة مباشرة مع تحولات السياسة الخارجية للإدارة الأميركية، بحيث سادت حالة من الارتباك والذهول أروقة صنع القرار العبري، فور تسرب تفاصيل المفاوضات التي أدرك الإسرائيليون أنها تمت من دون تنسيقٍ مسبق يضمن مصالحهم، مما أدى إلى تصدع في الثقة بين واشنطن وتل أبيب وصل إلى حد الاتهامات المتبادلة بالتجسس، إذ يرى المحللون أن هذه الخطوات الديبلوماسية التي يسعى من خلالها الرئيس ترامب إلى التهدئة، تقف على نقيض تام مع الاستراتيجية الإسرائيلية التي راهنت على الاستمرار في العمليات العسكرية كأداة وحيدة لإخضاع البنية التحتية الإيرانية لدمار طويل الأمد.
تتمحور الانتقادات الإسرائيلية في الصحافة العبرية حول ما تعتبره فشلاً استراتيجياً لا يمكن ترميمه، إذ ترى تل أبيب أن بنود الاتفاق المسربة ولا سيما منها المتعلقة بفتح مضيق هرمز ورفع الحصار عن الموانئ الإيرانية والإفراج عن نحو 12 مليار دولار من الأصول المجمدة، تمثل تراجعاً خطيراً عن أهداف الحرب المعلنة. تصف الصحف العبرية هذه التنازلات بأنها هدية مجانية لطهران، محذرة من أن هذه الأموال ستتحول سريعاً إلى وقودٍ لجولات جديدة من الصراع، كما تسود حالة من المرارة إزاء تآكل معادلات الردع الإسرائيلية، خصوصاً بعد أن أثبتت جولات القتال في نيسان/أبريل الماضي أن العمق الإسرائيلي لم يعد محصناً من الرد الإيراني، وهو ما دفع المحللين الى توصيف المفاوضات بأنها مجرد محاولة أميركية لشراء الوقت.
أما الموقف الرسمي الإسرائيلي، فيتأرجح في منتصف حزيران بين رغبة ملحة في التمسك بالتنسيق الاستراتيجي مع واشنطن وبين شعور عميق بالخديعة، بحيث يحاول نتنياهو تقليص خسائر هذا الاتفاق. ومع ذلك، يصور الإعلام الإسرائيلي الاتفاق خطراً وجودياً يمنح إيران شرعية إقليمية واسعة، ويضع إسرائيل أمام تحدياتٍ صعبة تتعلق بقدرتها على المناورة وحيدة في وجه المتغيرات الدولية. وهكذا، بات المشهد الإسرائيلي اليوم يعيش انقساماً حاداً بين التيار الذي يطالب بالانفلات العسكري لفرض شروطه الخاصة، وبين الواقعية السياسية التي بدأت تدرك أن تحولات الإدارة الأميركية ليست مجرد تكتيك عابر، بل هي إعادة ترتيب شاملة للمصالح في المنطقة تتجاوز الخطوط الحمراء التي رسمتها تل أبيب، مما يترك المؤسسة العسكرية والسياسية الإسرائيلية في مأزق استراتيجي يجعل من هذه الديبلوماسية الأميركية تهديداً لا يقل خطورة عن التهديد العسكري المباشر.
تستند هذه القراءة إلى جملة من التطورات الموثقة:
 1. شباط/فبراير: انطلاق العمليات العسكرية المشتركة ضد البنية التحتية الإيرانية.
 2. نيسان/أبريل: الإعلان عن انطلاق محادثات إسلام أباد ومسقط المباشرة.
 3. حزيران/يونيو: تأكيد طهران أن وقف النار في لبنان شرط أساسي للاتفاق.
 4. حزيران/يونيو: الغارات الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت وتصاعد أزمة الثقة مع واشنطن.
إن هذا الاتفاق لا يمثل نهاية للحرب، بل هو دخول في طور جديد من الصراع تحت السقف الديبلوماسي، إذ تدرك إسرائيل أن واشنطن قررت مغادرة منطقة الشرق الأوسط وفقاً لشروطها الخاصة، تاركةً خلفها حليفاً يشعر أنه قد تعرض للخذلان، بينما يظل رهان نتنياهو على الضربات الموضعية مجرد صدىً لمرحلة انتهت، تاركاً إسرائيل عالقةً في ارتدادات أخطائها الاستراتيجية، وفي انتظار مآلات المواجهة التي قد تفجرها هذه الحماقات في أي لحظة.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

طبخ 6/12/2026 11:22:00 AM

قصة "محروك إصبعه" التي تعكس تجارب الفقر والصعوبات التي عاشها كاظم الساهر في طفولته.

رياضة 6/4/2026 1:31:00 AM
فازت إيطاليا على لوكسمبورغ 1-0 في مباراة ودية، حيث سجل إسبوزيتو الهدف الوحيد في أول ظهور للمنتخب بعد الإخفاق في التأهل لمونديال 2026
رياضة 6/9/2026 10:20:00 PM
لم يشهد تاريخ كأس العالم سوى حالة واحدة فقط واجه فيها شقيقان بعضهما البعض
رياضة 6/13/2026 7:21:00 AM
موعد مباراة الجزائر ضد الأرجنتين في كأس العالم 2026 والقنوات الناقلة للمواجهة المرتقبة بين بطل العالم 2022 بقيادة ليونيل ميسي و"محاربي الصحراء" بقيادة رياض محرز