البابا والذكاء الاصطناعي و… «نزع السلاح»
لطالما شكّلت الرسالة البابويّة الأولى محطّة بدائية وتأسيسيّة لولاية أي بابا جديد، فهي تُعتبر بمثابة إعلان للعناوين العريضة وللصورة العامة التي يريد أسقف روما رسمها، بعد نحو سنة على تولّيه سدّة رئاسة الكنيسة الكاثوليكية.
نديم شاهين
لطالما شكّلت الرسالة البابويّة الأولى محطّة بدائية وتأسيسيّة لولاية أي بابا جديد، فهي تُعتبر بمثابة إعلان للعناوين العريضة وللصورة العامة التي يريد أسقف روما رسمها، بعد نحو سنة على تولّيه سدّة رئاسة الكنيسة الكاثوليكية.
ففي الأيام التي تلت انتخابه لخلافة القديس بطرس على حبره، برّر الكاردينال روبرت بريفوست اختياره اسم «لاوون الرابع عشر»، تخليداً للذي سبقه في اعتناقه. يذكر ان البابا لاوون الثالث عشر كان شخصية مميزة ومفصلية في تاريخ الكنيسة المعاصر، فهو الذي أشرف على عبورها نحو عصر الحداثة البنّاءة والتقدّم الرّاسخ في عمق القيم المسيحيّة.
خلال فترة شهدت نشوء التيارات الفكرية القومية والليبرالية، كما الثورة الصناعية التي فرضت تغيرات جذرية في العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والعائلية والدولية، طوّر البابا لاوون الثالث عشر ما سُمّي لاحقاً بـ«التعليم الاجتماعي للكنيسة»، الذي يُفصّل بدقّة سُبل تنظيم العيش المشترك، حفاظاً على كرامة الإنسان والتضامن المجتمعي، كما الخير العام، في ضوء تعاليم المسيح والكلمة المقدّسة.
أقدم البابا لاوون الرابع عشر، في شهر أيار الفائت، على نشر رسالته الرسوليّة الأولى، بعنوان «Magnifica Humanitas», «الإنسانية العظيمة».
في غضون التطورات المستجدة والمتسارعة التي يعيشها عالمنا اليوم، لا سيما التكنولوجيّة والصناعية والاقتصادية والسياسية منها، أراد البابا الحالي، حديث الانتخاب، التطرّق إليها ومخاطبتها ومحاولة معالجتها، من باب الإيمان والمسؤولية المشتركة و«التعليم الاجتماعي للكنيسة».
«ثورة صناعية جديدة»: هكذا رأى البابا تأثير ومفاعيل الذكاء الاصطناعي الذي يجتاح العالم. فهذه الأدوات والبرامج، التي لا تحتاج للعامل الإنساني في سير عملها، أضحت تمسك بمفاصل حياتنا اليوميّة، لا سيما الإعلام، الإعلان، الصحافة، التواصل، الترفيه، والتعليم.
إزاء هذه التغيرات، أدلى البابا بأهميّة «نزع سلاح» الذكاء الاصطناعي.
تعبير ملفت للانتباه، خصوصاً في بلد شاهد على محوريّة هذه العبارة ورمزيتها في تاريخنا الحديث. نزع سلاح الميليشيات، نزع سلاح المجموعات المسلحة غير القانونية، نزع سلاح «حزب الله»… وعود لم تبصر النور بصورة كاملة حتى يومنا هذا. يلفت البابا النظر إلى نوع آخر من السلاح، ألا وهو السلاح الاصطناعي التكنولوجي الذي بات يسيطر بشكل متسارع على الإنسانية.
بواسطة منصات وبرامج ومنابر رقميّة، يفقد الإنسان استقلاليته وحريته وإبداعه وقوّته الخلّاقة، ويصبح عبداً لشروطها وإيقاعها التي تفرضه عليه.
يتخوّف البابا لاوون الرابع عشر من فقدان الإنسان إنسانيّته، في سبيل التفوّق التكنولوجي والمنافسة الاقتصاديّة البحتة. يصبح الإنسان ضحيّة مجانيّة على مذبح الذكاء الاصطناعي، غير المبالي بحاجات الإنسان أو همومه أو وجهة نظره.
من هنا أهميّة «نزع سلاحها»: لايجوز، في مجتمعاتنا اليوم، التخلّي عن إنسانيّتنا مقابل رؤية معادية لها، مهما كانت إيجابيّاتها. يجب كسر احتكارها، ضبط تجاوزاتها، والحؤول دون هيمنتها الكاملة على حياة شعوبنا.
هذا لا يمنع استخدامها أو الاستفادة منها، بل تمام العكس. أهميّة هذا الذكاء الوهمي يكمن في كيفيّة استخدامها كوسيلة تدعم وتساند الإنسان، لا تتجاهله. كأداة يتحكم بها الإنسان، لا تتحكم هي به. يسيطر الإنسان على وجودها، لا هي تهدّد وجود الإنسان ودوره في عالمنا هذا.
دعوة البابا إلى «نزع سلاح» الذكاء الاصطناعي يقع ضمن إطار روحي ومجتمعي شامل يؤكد فيه على مسؤوليّة الفرد ومحيطه، التضامن بين الشعوب، الحوار بين الحضارات، كما الانفتاح على الغير.
إنها رؤية سياسية أيضاً، تطرح علامات استفهام حول ما ومن يحكم ويقرّر في دولنا المعولمة اليوم: أي أشخاص؟ أي تيارات فكريّة وأيديولوجية؟ أية شركات عالميّة أو مؤسسات تجارية وتكنولوجية؟
«التفوّق التكنولوجي لا يعطي الحق التلقائي لأي طرف في الحكم أو الغلبة»… جاءت هذه العبارة لتختصر رؤية البابا لاوون الرابع عشر حيال الإرشاد والعقلانيّة الأساسيّين في تنظيم الدور الذي يلعبه الذكاء الاصطناعي في حياة مجتمعاتنا المتنوعة.
«نزع سلاح» الذكاء الاصطناعي مسؤوليّة الجميع، تعوّل على كلّ منّا. تبدأ بنزع «سلاح» اللغة التي نستخدمها، لتجريدها من الأسلوب العنفي والمتشدّد، رفض خيار الحرب العبثيّة والمواجهة الأبديّة، وإعطاء فرصة للحوار البنّاء وتلاقي الأضداد، في سبيل «العدالة للفرد والسلام للجميع»، قاعدة ذهبيّة جاءت على لسان البابا الراحل يوحنا بولس الثاني.
نبض