سمراء البادية
ريمي الحويّك
قبل أن يقتادني الإنكسار الوطني إلى حنجرة فيروز، تلك التي نلوذ بظلّها كلّما ضاقت بنا البلاد وتكاثفت فوق صدورنا الخيبات، كان قلبي زورقاً وادعاً يطفو على رمال بادية سميرة توفيق.
لم تكن سميرة بالنسبة إليّ مجرّد فنّانة تعبر الذّاكرة، بل استحضار حيّ لصورة جدّتي القرويّة، أراها في تلك السُّمرة التي تشبه ترابنا العتيق، وفي وقار العباءة التي تحمل هيبة الأرض وطمأنينة البيوت القديمة.
لا يزال صوت "ستّي" يتردّد في أروقة ذاكرتي وهي تستقبلنا بـ"ميّل يا غزيّل"، لم تكن تغنّيها فحسب، بل كانت تحوّلها إلى طقس حبّ يفتح لنا قلبها قبل بابها. وكلّما اقتربنا من لقياها، صدحت حنجرتها بـ"يا هلا بالضيف" كأنّها زغرودة القلب حين يعثر أخيراً على أهله.
إنّ سميرة توفيق ليست قامةً فنيةً لبنانيةً وحسب، بل أرشيفٌ كاملٌ للرّوح. هي الصّوت الّذي طرّز، بخيوط البسمة والعفويّة، خريطةَ حبٍّ عابرةٍ للحدود والزمن .
اليوم، تستحقّ سميرة توفيق أن نقدّرها ونجلّها. ففي تسعينها، لعلّ كلّ ما قد تحتاج أن تسمعه منّا هو بعض التقدير والوفاء والحبّ، ولا يجب أن نبخل عليها به.
سميرة، أحبّكِ، لأنّ جدّتي كانت تُحبّكِ.
كانت ترتدي العباءةَ مثلكِ، وكانت شامتُها على ضفّةِ شفتها تأخذنا دائماً إلى وجهكِ، كأنّ بينكما سرّاً خفيّاً من ملامحِ النساءِ اللواتي يُشبهنَ الأرض.
سمراؤنا… نحن لا نحبّ فنّكِ فحسب، بل نحبّ فيكِ ذلك الزمن العفويّ الذي لم يكن يعرف التكلّف. نحبّ الغمّازة التي تشبه نافذة ضوء في آخر نفق الأزمات، ونحبّ تلك البساطة التي جعلتكِ قريبةً من الناس، كأنّكِ فردٌ من كلّ عائلة.
سمراؤنا، نحبكِ لأنّكِ لم تكني يوماً غريبة، بل كنتِ امتداداً لسُمرة جباه أجدادنا وتجاعيد أيدي أمّهاتنا.
سمراؤنا… نحبّكِ كما نحبّ فيروزنا. فما سماركِ سوى رمزٍ ترابيّ يثبّتُنا في عمق الأرض، وما اللون الفيروزيّ إلّا زرقة بحارنا وسمائنا.
إن كان صوت فيروز هو مظلّتنا السّموية التي نلتحف بها كلما تشرّدنا وبحرنا الذي يغسل أوجاعنا، فأنتِ الأرض التي لا تميل.
وبين ترابكِ وبحرها، رُسِم وطنٌ، قد يمرض، قد ينكسر، لكنّه أبداً أبداً لا يموت.
نبض