هل سنترك أزمة مياه الشفة للعاصمة بيروت حتى تتعفن...؟

منبر 09-06-2026 | 14:49

هل سنترك أزمة مياه الشفة للعاصمة بيروت حتى تتعفن...؟

ننتظر دائما استفحال المشكلة وتعفنها، لنهرول بعدها باحثين عن حل لها!
هل سنترك أزمة مياه الشفة للعاصمة بيروت حتى تتعفن...؟
مؤسسة مياه بيروت وجبل لبنان (مواقع)
Smaller Bigger

خالد بريش

 

تعتبر بيروت ككثير من العواصم التي تكاثر عدد سكانها بشكل متسارع بحيث أصبح يفوق طاقة البنى التحتية الخدماتية، التي أنشئت فيها منذ عقود، إلا أن بيروت مرت بظروف وأزمات زادت في الطين بلة، بل عمقت معاناتها على كل المستويات. فابتداء من الحرب الأهلية في سبعينيات القرن الماضي إلى الهجرة الجنوبية الكثيفة باتجاهها بعد عدة اجتياحات إسرائيلية متتالية، وانتهاء بكونها العاصمة الجاذبة لكل أبناء المناطق... يضاف إلى ذلك مشاريع ترقيعية لتحديث البنى التحتية المختلفة، كانت في معظمها حلول لمشاكل جزئية وآنية، لم تلبث أن أصبحت مشكلة في حد ذاتها، بل أكبر من المشكلة التي وُضعت لحلها... 

فالعاصمة بيروت اليوم تشكو من اهتراء في البنية التحتية الخدماتية على كل المستويات، وهذا ما لا ينكره أحد، في ظل غياب لمشاريع الدولة الكبيرة، التي استعيض عنها ببعض الإصلاحات هنا وهناك، يقوم بها المواطنون على ساحة الوطن من أقصاه إلى أقصاه، وذلك على مبدأ "دبر راسك"، والتي في الواقع تشكل عبئا إضافيا مستقبليا، في حال قررت الدولة القيام بدورها. وهنا لا نتحدث عن قطاع بعينه، بل عن كل البنى التحتية، من الهاتف والإنترنت والطرقات والجسور، إلى الماء، والكهرباء، الخ... 

وإذا كان موضوع الكهرباء، التي صرف عليها مليارات الدولارات، أصبح متوقفا على عودة غودو وكل الغائبين والمغيبين، إلا أنه لا حديث عن مياه الشرب والاستعمال المنزلي في العاصمة بيروت "ست الدنيا"، كما يحلو لنا التغني بها... نعم إنه الماء، أساس الحياة، التي بدأت عملية توزيعها ونقلها للأهالي تتحول إلى مافيا، مماثلة لمافيا مولدات الكهرباء، التي يقلق ضجيجها حتى الراقدون تحت التراب، مع الاعتذار من محمد عبد الوهاب، أما فواتيرها التي تنغص حياة المواطن المسكين، ولا تهز شعرة في جسم الساسة الذين لا يستحون، طالما أن بعضهم أصبحوا شركاء في أرباح المولدات، وهنا أسجل اعتذاري أيضا من السيدة فيروز عندما قررت « والملك شريك النص ». 

وحتى لا يقال إنني أتهم الدولة العتيدة بالتقصير في مهامها، ودورها تجاه الشعب المغلوب على أمره، فإن الدولة مشكورة قامت بواجبها في موضوع المياه، ونفذت مشاريع سدود فاشلة من ألفها إلى يائها، لكونها لم تقم على دراسات علمية وافيه وشفافة، وبالتالي لم تستطع حجز متر مكعب واحد من المياه. وتبخرت بالتالي مبالغ ضخمة من الدولارات، صرفت عليها من الخزينة العامة في الهواء، تماما كمياه السدود إياها، وكل هذا طبعا كالعادة، بلا أي حسيب، ولا رقيب، ولا مساءلة، ولا تحقيق حول النتائج، ومع المسؤول عن كل ذلك، لأن المسؤول فرفور ذنبه مغفور...! 

كنت منذ أيام أشاهد فيديو ربما أشاهده للمرة العشرين، لمقابلة على إحدى القنوات التلفزيونية، أجريت مع المهندس الجيولوجي والهيدرولوجي الدكتور سمير زعاطيطي، الأستاذ بالجامعة اللبنانية، يتحدث فيها عن أزمة المياه في بيروت، وعن الحلول التي يقترحها لهذه الأزمة، التي يصورها البعض عصية، بدوافع من بعض الساسة وذلك حتى إذا ما رصدت لذلك ميزانية ضخمة، لا يستهجن المبالغ أحد، ولا يرفع أي إنسان صوته مستنكرا، خصوصا بعد الملايين التي صرفت على السدود الخنفشارية الكارثية، التي غدت أثرا بعد عين، مع العلم أن وسائل الإعلام المختلفة قامت بواجبها، وتناولت تلك المشاريع والقائمين عليها، ومن وراءها، وكشفت المستور، ولكن للآسف، لا حياة لمن تنادي...! فيلح علي هنا سؤال: لماذا ننتظر دائما استفحال المشكلة وتعفنها، لنهرول بعدها باحثين عن حل لها...؟! 

 

 

تعبيرية. (فريبيك)
تعبيرية. (فريبيك)

 

 

ليس من باب الدعاية للدكتور سمير زعاطيطي، ولكن مشروعه من أجل جلب مياه الشفة لبيروت، هو الأكثر واقعية، ومنفعة للعاصمة وأهلها، والأكثر ملائمة للبيئة والحفاظ عليها، ولخزينة الدولة، وأيضا من حيث سرعة التنفيذ، وهو الأهم في اعتقادي. ولكن، لأنه مشروع لا يمر عبر بوابة جيوب الساسة، والقومسيونات، والتنفيعات الطائفية والمذهبية، فإنه لم يعره أحد انتباها، ولم يتبناه أحد من ساسة بيروت الأشاوس، التي يتساءل أهلها عن المشاريع التي حققها لهم نوابها، ويفتشون عن مشاريعهم ومنجزاتهم الضخمة التي نفذوها بالميكروسكوب، لعلها تختبئ في ذرات رمال العاصمة، وربما لأهميتها رفعت إلى السماء...!

الدكتور زعاطيطي لا يقدم وعودا بحمل الماء من جنات عدن، فما صرف على مشاريع الماء الفاشلة والكهرباء، بإمكانه أن يجلب الكهرباء من القمر، والماء للمدن الكبرى في لبنان من كوكب زحل. إنه مشروع واقعي، سوف يحمل الماء من محيط العاصمة بيروت، وذلك باستغلال المياة الجوفية الموجودة في خزانات المياه الكارستية بكميات ضخمة متجددة، والتي هي في حد ذاتها ثروة أهم من ثروة البترول بالنسبة لهذا الوطن، الذي ينهش ساسته بلحمه على كل المستويات. إنه مشروع لا يلغي ما هو قائم حاليا، بل يتواءم معه، وسوف يكفي العاصمة بيروت من حاجتها للمياه. والدكتور سمير زعاطيطي عندما يطرح مشروعه هذا، فإنما يتحدث بلغة المتخصص، الذي نفد عشرات مشاريع حفر الآبار الناجحة، بل المئات منذ بداية ثمانينيات القرن المنصرم، وعلى مساحة تراب الوطن.

ومن خلال ما يكتبه الدكتور زعاطيطي على صفحات التواصل الاجتماعي، فإن هذا المشروع يتألف من ثلاثة أقسام، لكل منها دوره، وتكمل بعضها كالتالي: 

الأول: الأخذ بالورقة التي تقدم بها « مشروع التعاون التقني اللبناني ــ الألماني »، والتي أوصت بإنشاء نفق توصيل مياه جديد ما بين جعيتا وضبية، تكون مقدرته ضخ 7 متر مكعب من الماء في الثانية، يعمل إلى جانب النفق الحالي، الذي لا يمرر سوى أزيد بقليل من 3 متر مكعب في الثانية. مع القيام بإصلاح النفق الحالي، بحيث يتوقف الهدر الموجود، والذي هو كبير جدا قياسا بما يصل للمواطن؛

الثاني: إنشاء سد في موقع « داريا »، بسعة 9 مليون متر مكعب، وذلك للمساعدة في تعويض جزء مهم من النقص في فترات الشح المائي في فصل الصيف؛

الثالث: حفر مجموعة من الآبار في أماكن متفرقة على تخوم العاصمة بيروت، تجر مياهها إلى العاصمة، هذا إذا علمنا أن الهضاب والمرتفعات القريبة من بيروت، تضم في باطنها كنزا مهما من المياه الجوفية الغير مكتشفة والتي تهدر هباء من دون الاستفادة منها. حيث أن تلك المرتفعات تضم مجموعة من خزانات المياه الطبيعية المتجددة، والتي تفوق طاقتها حاجة العاصمة، وهذا المشروع بالنسبة للدكتور زعاطيطي، تمت دراسته من كل النواحي، ولن يكلف الدولة العتيدة سوى دريهمات مقارنة مما صرف على موضوع المياه حتى الآن.

إن مشروع تأمين المياه الصالحة للشرب والاستخدام الآدمي لمدينة بيروت الكبرى، يجب أن لا يكون خاضعا للمحاصصات، والاصطفافات الطائفية والمذهبية، إنه مشروع حياة للعاصمة التي نحب جميعا، ونتغنى بحبها، ونفتخر بها على العالم، وليكن هذا المقال صرخة لكل الفاعلين والمهتمين بشؤون العاصمة ومحبيها، ولتكن العاصمة بيروت لنا جميعا، بعيدة عن كل أنواع التموضع والتمترس، التي تزكم الأنوف.

الأكثر قراءة

حول العالم 6/6/2026 10:49:00 PM
عامل كندي أصبح مليونيراً بين لحظة وأخرى بعدما تلقى اتصالاً أثناء عمله أبلغه بفوزه بجائزة يانصيب تتجاوز 2.4 مليون دولار كندي
فن ومشاهير 6/6/2026 4:58:00 PM
كانت المناسبة مميزة، وتضمنت العديد من اللحظات السعيدة والتقليدية
فن ومشاهير 6/8/2026 12:00:00 PM
تفاصيل مفاجئة حول إلقاء القبض على الإعلامية المصرية جولي أمين داخل إدارة المرور أثناء محاولتها نقل ملكية سيارة تابعة لصبري نخنوخ، وتطورات التحقيقات في القضية.