مطار القليعات: كسر احتكار المركز لتنمية الأطراف

اقتصاد وأعمال 09-06-2026 | 15:20

مطار القليعات: كسر احتكار المركز لتنمية الأطراف

تشير دراسات التأثير الاقتصادي للمجلس الدولي للمطارات (ACI) إلى أن كل مليون مسافر سنوياً يدعم ما بين 900 و1200 فرصة عمل
مطار القليعات: كسر احتكار المركز لتنمية الأطراف
مطار القليعات (نبيل اسماعيل)
Smaller Bigger

د. أيمن عمر *

 

حين يُطرح مشروع مطار "رينيه معوّض" في القليعات، غالباً ما ينحصر النقاش في دوره كمرفق للنقل الجوي أو كبديل إضافي لمطار بيروت.

 

غير أن أهمية هذا المشروع تتجاوز بكثير حركة الطائرات والمسافرين، لتلامس جوهر التحدي الاقتصادي الذي يواجهه لبنان منذ عقود، والمتمثل في التفاوت التنموي بين المركز والأطراف. ففي الاقتصادات الحديثة، لم تعد المطارات مجرد بنى تحتية للنقل، بل تحولت إلى محركات للنمو الإقليمي وأدوات لإعادة توزيع الاستثمارات والفرص الاقتصادية.

 

من هذا المنطلق، تبرز أهمية مطار القليعات بوصفه فرصة لإعادة دمج الشمال اللبناني في دورة الإنتاج والاستثمار، والمساهمة في بناء نموذج تنموي أكثر توازناً على المستوى الوطني. لذلك، فإن السؤال الحقيقي لا يتمثل في ما الذي سيضيفه المطار إلى قطاع الطيران فحسب، بل في ما يمكن أن يحدثه من أثر في الدورة الاقتصادية اللبنانية ككل.

 

تصحيح الخلل التنموي المزمن

يعاني لبنان منذ عقود من اختلال تنموي حاد، إذ تستقطب العاصمة وجوارها القسم الأكبر من الاستثمارات والخدمات، فيما بقي الشمال، ولا سيما عكار، خارج دورة النمو، حيث تشهد معدلات فقر مرتفعة تُعد من الأعلى على المستوى الوطني. من هنا، تكمن أهمية المطار أولاً في كونه مشروعاً لتصحيح هذا الخلل الجغرافي. تتحدث الخطط الرسمية عن قدرة استيعابية تبلغ 114 ألف مسافر في السنة الأولى، لترتفع إلى نحو 600 ألف مسافر سنوياً بحلول السنة الرابعة.

 

لكن الرقم الأهم ليس حركة الطائرات، بل حجم النشاط الاقتصادي الموازي؛ إذ تشير التقديرات الاقتصادية لغرفة التجارة والصناعة والزراعة في طرابلس إلى أن تفعيل هذا المرفق كفيل بتأمين نحو 6,000 فرصة عمل في مراحله الأولى، ما يمثل فرص عمل مهمة لمكافحة البطالة المرتفعة فيالشمال.

 

وتظهر التجارب الدولية أن كل وظيفة مباشرة في قطاع الطيران تخلق ما بين 3 إلى 5 وظائف غير مباشرة في قطاعات السياحة، النقل، الخدمات اللوجستية، والتجارة. كما تشير دراسات التأثير الاقتصادي للمجلس الدولي للمطارات (ACI) إلى أن كل مليون مسافر سنوياً يدعم ما بين 900 و1200 فرصة عمل، مما يعني أن القليعات مؤهل ليتحول إلى منصة اقتصادية متكاملة لا مجرد محطة سفر.

 

 

الأمن الاقتصادي بعد الحرب

اكتسبت الأهمية الاستراتيجية للمطار بُعداً مصيرياً بعد الحرب الأخيرة على لبنان. فقد كشفت التطورات الأمنية والعسكرية هشاشة اعتماد الدولة الكامل على شريان جوي واحد (مطار رفيق الحريري الدولي).

 

وفي عالم تتزايد فيه المخاطر الجيوسياسية، باتت الدول تتجه بطريقة متزايدة إلى توزيع بنيتها التحتية الحيوية بدلاً من حصرها في نقطة واحدة. بناءً على ذلك، يصبح مطار القليعات جزءاً لا يتجزأ من منظومة الأمن الاقتصادي والسيادي الوطني، وليس مجرد مشروع إنمائي محلي.

 

غير أن التحدي الحقيقي لا يتعلق بالمطار نفسه، بل بما يمكن أن ينشأ حوله؛ فإذا اكتفت الدولة بتشغيل المدرج وصالة الركاب، تكون قد أهدرت فرصة تاريخية. أما إذا رُبط المطار بمرفأ طرابلس، والمنطقة الاقتصادية الخاصة، وشبكات النقل البري، فإن الشمال اللبناني سيتحول إلى منصة لوجستية إقليمية حيوية تربط البحر المتوسط بالأسواق العربية.

 

مدن مطارية بجدوى تنافسية

أثبتت التجارب العالمية أن المطارات الحديثة تطورت إلى ما يُعرف بـ "المدن المطارية" (Aerotropolis)، وهي مناطق جاذبة للاستثمارات، صانعة للوظائف، ومعيدة لرسم الخريطة التنموية. إن لبنان يمتلك البنية الأساسية لتطبيق هذا النموذج في القليعات، لا سيما أن المطار الذي يمتلك مدرجاً بطول 3,200 متر، مؤهل لاستيعاب حركة شحن جوي ضخمة، والأهم أن كلفة وضعه على سكة التشغيل الأولي منخفضة بحسب التقديرات الفنية، وهي ضئيلة مقارنة بالعائد الاقتصادي والسيادي المتوقع، وبالمقارنة مع كلفة إنشاء مطارات جديدة في المنطقة.

 

إلا أن تحقيق هذه الأهداف يبقى مشروطاً باستكمال البنية التحتية المحيطة، وتأمين التمويل اللازم، واعتماد إدارة فعّالة قادرة على استقطاب الاستثمارات. والمطلوب اليوم هو:

 

1. إنشاء منطقة اقتصادية حرة محاذية للمطار.
2. تخصيص مساحات لمراكز الشحن، التخزين، والخدمات اللوجستية.
3. تحفيز مشاريع التجارة الإلكترونية والصناعات الخفيفة.

 

إن التحدي الحقيقي أمام لبنان اليوم ليس مجرد افتتاح مطار جديد، بل الانتقال من "اقتصاد المركز" الذي يهمش الأطراف، إلى اقتصاد "متعدد المراكز". وإذا نجح مطار القليعات في جذب الاستثمارات وربط الشمال بالأسواق الإقليمية، فإن قيمته الاقتصادية ستتجاوز بكثير حدود مدرجه وصالاته، عندها لن يكون مطار القليعات مجرد مطار ثانٍ للبنان، بل نقطة تحول في مسار التنمية الوطنية، وخطوة عملية نحو اقتصاد أكثر توازناً وعدالة بين المناطق.

 

* أكاديمي وباحث اقتصادي

 

الأكثر قراءة

حول العالم 6/6/2026 10:49:00 PM
عامل كندي أصبح مليونيراً بين لحظة وأخرى بعدما تلقى اتصالاً أثناء عمله أبلغه بفوزه بجائزة يانصيب تتجاوز 2.4 مليون دولار كندي
فن ومشاهير 6/6/2026 4:58:00 PM
كانت المناسبة مميزة، وتضمنت العديد من اللحظات السعيدة والتقليدية
فن ومشاهير 6/8/2026 12:00:00 PM
تفاصيل مفاجئة حول إلقاء القبض على الإعلامية المصرية جولي أمين داخل إدارة المرور أثناء محاولتها نقل ملكية سيارة تابعة لصبري نخنوخ، وتطورات التحقيقات في القضية.