رسالة إلى فخامة الرئيس جوزف عون بين وعد القسم ونداء الإنقاذ
في لحظةٍ وطنيةٍ نادرة، حيث يمتزج القلق بالرجاء، والخوف بالأمل، أتى خطاب القسم ليوقظ في نفوس اللبنانيين شعوراً كاد أن يندثر.
شرف ابو شرف - نقيب الاطباء سابقاً
سيدي الرئيس،
في لحظةٍ وطنيةٍ نادرة، حيث يمتزج القلق بالرجاء، والخوف بالأمل، أتى خطاب القسم ليوقظ في نفوس اللبنانيين شعوراً كاد أن يندثر. لم تكن كلماتكم مجرّد عباراتٍ بروتوكولية، بل بدت تعهداً أخلاقياً أمام وطنٍ يترنّح. وكذلك جاء بيان الثقة بحكومة دولة الرئيس نواف سلام ليعزّز هذا الأمل، ويؤكد أن ثمة محاولة جدية لإعادة وضع لبنان على سكة الإنقاذ.
لقد أظهرتم وعياً عميقاً بحجم المخاطر التي تحدق بلبنان، داخلياً وخارجياً، واتخذتم موقفاً واضحاً حين شددتم على حصر السلاح بيد الدولة، معتبرين أن من يجرّ البلاد نحو الدمار إنما يخون الأمانة الوطنية. غير أن اللبنانيين، الذين أنهكتهم الوعود، لم يعودوا ينتظرون الأقوال، بل يتطلعون إلى الأفعال.
سيدي الرئيس،
إن واقع البلاد لم يعد يتحمل التأجيل. اقتصاد ينهار، أمن يتصدّع، مجتمع يختنق تحت وطأة الأزمات، وشباب يغادرون بحثاً عن كرامة مفقودة. المواطن اللبناني لم يعد يطلب المستحيل؛ يريد فقط دولةً تحميه، وحقوقاً تصونه، وسيادةً فعلية تعيد إليه شعوره بالانتماء.
لقد بلغ الانهيار حداً لم يعد معه الإصلاح خياراً، بل ضرورة وجودية. الفساد المستشري، وغياب المحاسبة، وتآكل مؤسسات الدولة، كلّها عوامل ساهمت في انهيار الثقة بين المواطن ودولته. ولا يمكن لأي نهوض أن يتحقق من دون إعادة بناء هذه الثقة على أسس العدالة والشفافية.
ندرك أن المهمة الملقاة على عاتقكم ثقيلة، لكننا نرى فيها فرصةً تاريخية لإعادة إحياء الحلم اللبناني. نريد وطناً لجميع أبنائه، تسوده العدالة، ويُصان فيه الإنسان، وتُطوى فيه صفحات الحروب العبثية التي أنهكت لبنان.
سيدي الرئيس،
تدركون جيدا أن صورة لبنان تغيرت في الداخل كما في الخارج. آمنا يوماً بالمقاومة وسيلةً لتحرير الأرض، لكن التجارب أظهرت أن الارتهان للمحاور الخارجية أفقدنا قرارنا الوطني. وهنا نستحضر رؤية الإمام موسى الصدر الذي دعا إلى حماية الإنسان قبل السلاح، والدولة قبل الطائفة، والعدالة قبل الغلبة. وكذلك ما نادى به الشيخ محمد مهدي شمس الدين من دولةٍ لبنانية عادلة تحتضن جميع أبنائها.
لقد أصبح واضحاً أن حماية أي طائفة لا تكون على حساب الدولة، بل من خلالها. وأن السيادة لا تُجزّأ، ولا تُستعار، ولا تُرهن لأي مشروع خارجي. فلبنان ليس ساحة، بل وطن نهائي لجميع أبنائه.
لقد خسرنا الكثير: خسرنا ثقة العالم، وخسرنا استقرارنا الداخلي، وخسرنا جزءاً من هويتنا. دُمرت غزة، ويتعرض الجنوب اللبناني لمصيرٍ مشابه، فيما يقف اللبنانيون بين الخوف والضياع، يتساءلون عن مستقبل وطنهم. ورغم كل ذلك، لا يزال الأمل قائماً.
لقد حملت زيارة البابا البابا لاوون الرابع عشر عام 2025 رسالة رجاء إلى لبنان الجريح، مذكّرة بما قاله البابا يوحنا بولس الثاني عام 1997: إن لبنان أكثر من وطن، إنه رسالة. رسالة حرية وتعددية، رسالة عيش مشترك وسلام.
سيدي الرئيس،
الشعب اللبناني لا يريد الهجرة، لكنه يُدفع إليها قسراً. يريد أن يبقى، أن يعيش بكرامة، أن يرى دولة تحميه. ولا سلام من دون عدالة، ولا عدالة من دون دولة واحدة قوية، يحتكم الجميع إلى دستورها.
إن خلاص لبنان لا يكون إلا بوحدة أبنائه، أو بحوار صادق يعيد صياغة العقد الوطني على أسس جديدة، قائمة على الاحترام المتبادل والمصلحة العامة. وإن تعذر ذلك، فربما يكون الحياد، والفيدرالية برعاية دولية، خياراً لإنقاذ ما تبقى.
إن الدولة وحدها هي الملاذ الأخير. لا سلاح خارجها، ولا قرار فوقها. هويتنا لبنانية، وانتماؤنا لهذا الوطن الذي لا بديل منه.
سيدي الرئيس،
إن المفاوضات، مهما بدت صعبة، قد تكون نافذتنا الأخيرة نحو الخلاص. فهي ليست ضعفاً، بل حكمة حين تضيق الخيارات، وشجاعة حين يكون القرار مصيرياً.
إن السقف يتصدّع فوق رؤوسنا جميعاً، وإذا ما انهار، فلن ينجو أحد. لن يبقي رابحاً ولا خاسراً، بل وطن مهدّم على من فيه.
أقدِم، سيدي الرئيس، بالحكمة والشجاعة. إمضِ نحو ما يحفظ لبنان، سيادته وكرامة شعبه. فالتاريخ لا يرحم المترددين، والأوطان لا تُنقذ إلا بقراراتٍ جريئة
وانتم أسيادها.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
أهالي بلدة مغدوشة تلقوا اتصالات من الجيش الإسرائيلي تضمنت تحذيراً من وجود عناصر لـ"حزب الله" بين النازحين
نبض