من سيحكم العالم في عصر الشمولية الرقمي؟

منبر 04-06-2026 | 12:23

من سيحكم العالم في عصر الشمولية الرقمي؟

خلال حفل تكريم، صعد رجل مسن إلى المنصة وجلس بكل هدوء... سأله مقدم الحفل:
"هل لا تزال تتردد على الطبيب كثيراً؟"، أجاب الرجل: "نعم، أذهب إليه باستمرار!"
من سيحكم العالم في عصر الشمولية الرقمي؟
تعبيرية
Smaller Bigger

محمود القيسي

 

 

خلال حفل تكريم، صعد رجل مسن إلى المنصة وجلس بكل هدوء... سأله مقدم الحفل:
"هل لا تزال تتردد على الطبيب كثيراً؟"، أجاب الرجل: "نعم، أذهب إليه باستمرار!"... فسأله المقدم: "و لماذا؟". إبتسم العجوز وقال: "لأن على المرضى زيارة الطبيب... لكي يبقى الطبيب على قيد الحياة يجد رزقه!"... ضجّت القاعة بالتصفيق إعجاباً بدعابته. تابع المقدم سؤاله: "وهل تتناول الأدوية التي يعطيك إياها الصيدلي بناءً على وصفة الطبيب وتوصياته؟"، قال العجوز: "كلا، غالباً ما أرميها... لأنني أنا أيضاً أريد أن أبقى على قيد الحياة!". انفجر الجمهور ضاحكاً و صفقوا له بحرارة أكبر...
وفي نهاية المقابلة، قال المقدم: "شكراً لحضورك هذه الندوة!"؛ فرد العجوز: "أنا سعيد بذلك! لأنني أعلم أنك أنت أيضاً تريد أن تعيش!". ضحك الجمهور مرة أخرى وواصلوا التصفيق طويلاً. ثم طرح عليه المقدم سؤالاً أخيراً: "هل لا تزال نشطاً في مجموعات (واتساب)؟"، أجاب العجوز: "نعم، أرسل الرسائل من حين لآخر... لأنني أريدهم أن يعرفوا أنني لا أزال على قيد الحياة! إذا لم أفعل ذلك، فسيظنون أنني متّ، و سيقوم مسؤول المجموعة بحذفي من الوجود!".
أخطر شيء في الذكاء الاصطناعي ليس أنه "أذكى منك"… بل أنك بدأت تتوقف عن استخدام عقلك بسببه من دون أن تشعر.
قبل 75 سنة، حذّر نوربرت فينر من أن البشر سيصبحون أجزاء داخل أنظمةٍ ذكية لا يفهمونها. لكن ما لم يدركه غالب الناس… هو أن هذا لم يبدأ مع ChatGPT بل بدأ منذ اللحظة التي أصبحت فيها الخوارزميات: تعرفك أكثر مما تعرف نفسك.
إسأل نفسك بصدق: كم مرة دخلت YouTube لتشاهد فيديو واحداً… ثم وجدت نفسك بعد ساعة تشاهد شيئاً لم تخطط له أصلاً؟ كم مرة فتحت TikTok لدقيقة…
ثم اختفى الوقت بالكامل؟ كم مرة شعرت أن Spotify يعرف ذوقك أكثر منك؟ و Netflix يعرف ماذا ستشاهد؟ و Instagram يعرف ما سيجعلك تغضب؟ و TikTok يعرف ما سيجعلك تدمن؟
هذه ليست مصادفة. هذه أنظمة Optimization لا تهدف الى جعلك أكثر سعادة… بل أكثر بقاءً داخل النظام. وهنا تبدأ أخطر نقطة.
الخوارزمية لا تسألك: "ماذا تريد أن تصبح؟" بل "ما الشيء الذي سيجعلك لا تغادر التطبيق؟".
فرق مرعب. ولهذا… كل شيء اليوم مصمم لسرقة انتباهك، وقتك، وقدرتك على التفكير العميق.
حتى عقلك نفسه… أصبح ساحة منافسة بين خوارزميات عملاقة.
الأخطر؟ أنك تعتقد أنك "تختار"، لكن في الحقيقة… أنت غالباً تتحرك داخل مسارات تم تصميمها مسبقاً لك.
الفيديو التالي. المنشور التالي. الرأي التالي. الغضب التالي. الشراء التالي. كلها محسوبة. وهذا بالضبط ما قصده Wiener عندما قال: "أخطر الأنظمة ليست التي تجبر البشر… بل التي تجعل البشر يريدون ما تريده الأنظمة".
ثم جاء الذكاء الاصطناعي التوليدي… والأمر أصبح أخطر بكثير... لأن الأنظمة لم تعد تتوقع سلوكك فحسب… بل أصبحت قادرة على: التحدث معك. إقناعك. مساعدتك. التأثير عليك. وتخصيص الواقع نفسه لكل شخص بشكل مختلف.
نحن ندخل عصراً لأول مرة في التاريخ… قد لا يعيش فيه شخصان "نفس الإنترنت". كل شخص سيعيش داخل نسخة مخصصة نفسياً له. فكر في هذا جيداً.
إذا كانت الخوارزميات القديمة استطاعت تغيير السياسة والمجتمعات والانتباه العالمي…
فماذا سيحدث عندما تصبح الخوارزمية: صوتاً… وصديقاً… ومساعداً ذكياً… ومستشاراً شخصياً... وربما عدّوا يعرف كل شيء عنك؟
لهذا السؤال الحقيقي لم يعد "هل AI سيأخذ الوظائف؟"، بل هل سنظل قادرين على التفكير بحرية أصلاً؟ لأن أخطر شيء يمكن أن تخسره البشرية… ليس العمل. بل الإرادة. وهذا ما كان Norbert Wiener يحاول تحذير العالم منه… قبل أن يولد الإنترنت نفسه بعقود طويلة.
"من سيحكم العالم في العصر الرقمي... عصر الشمولية الرقمية"؟ سؤال مركزي يواجهه العالم... نعم، من سيحكم العالم في حين أن السلطة لم تعد حكراً على الدول أو الحكومات، بل تنتقل تدريجاً إلى الشركات التكنولوجية العابرة للحدود التي تعيد تشكيل الدولة والمجتمع عبر أدوات رقمية شاملة.
في العقود الأخيرة، لم يعد التحول الرقمي مجرد تطور تقني محايد يسهّل حياة الإنسان، بل أصبح جزءاً من بنيةٍ أوسع تعيد تشكيل الاقتصاد والسياسة والعلاقات الاجتماعية في آن واحد.
نعم، من سيحكم العالم في العصر الرقمي؟ الشمولية الرقمية؟… كتاب للروسية أولغا تشيتفيريكوفا بوصفه قراءة تحذيرية ترى أن ما يجري ليس مجرد تحديث إداري أو ثورة معلومات، بل انتقال تدريجي نحو نمط جديد من السلطة.
تنطلق من فرضيةٍ مثيرة للقلق مفادها أن مركز القرار العالمي لم يعد محصوراً بالدولة القومية، بل يتجه نحو كيانات تقنية ومالية عابرة للحدود، تمتلك القدرة على إدارة البيانات والتحكم بتدفق المعلومات وتوجيه السلوك الفردي بشكل غير مباشر.
ومن هنا، ترى المؤلفة أن الرقمنة لا تُعيد تنظيم الاقتصاد فحسب، بل تعيد تعريف مفهوم السيادة ذاته.
ويشتد الطابع التحذيري حين تربط بين هذا التحول وبين نشوء شكل جديد من "الشمولية الناعمة"، لا تعتمد على القمع التقليدي، بل على التتبع المستمر، والتصنيف الرقمي، وإعادة تشكيل الوعي عبر أنظمة التعليم والمنصات الرقمية.
وبهذا المعنى، يصبح الإنسان جزءاً من منظومة بيانات تُدار بشكل دقيق، بحيث تتداخل الحرية مع المراقبة في فضاء واحد.
الكتاب لا يقدم رؤية تقنية بقدر ما يقدم إنذاراً فكرياً حول مستقبل السلطة في العصر الرقمي، محذراً من أن ما يبدو ابتكاراً وتقدماً قد يخفي في طياته انتقالاً صامتاً نحو نموذج حكم جديد، تُعاد فيه صياغة العلاقة بين الإنسان والدولة والتكنولوجيا بشكل غير مسبوق.
سيرى الكتاب أن العالم يتجه نحو نموذج جديد يمكن تسميته "الشمولية الرقمية"، حيث يدمج الاقتصاد والتقنية والبيانات في منظومةٍ واحدة قادرة على إدارة السلوك البشري، توجيه القرارات الفردية، إعادة تشكيل الوعي الاجتماعي وبذلك، تتحول التكنولوجيا من أداة خدمة إلى أداة حكم غير مرئية.
تحدد المؤلفة شبكة الفاعلين من القوى المتداخلة تقود مشروع التحول الرقمي: نخب فكرية تروج للرقمنة كعقيدة شاملة، بنوك وشركات تبني أنظمة بيانات بيومترية ضخمة وشركات التكنولوجيّات الرقمية التي تمثل الذراع التنفيذية للعولمة الرقمية والدولة التي تتحول تدريجاً إلى جهازٍ إداري تابع لمنطق السوق الرقمية، والنتيجة هي انتقال مركز السلطة من الدولة إلى تحالف تقني-مالي عالمي.
تصف تشينفيريكوفا نظام الشمولية الرقمية هذا بأنه شكل جديد من الحكم يقوم على قمع الفردية واستبدالها بالبيانات، تحويل الإنسان إلى "مستخدم رقمي دائم المراقبة" ⁠دمج الاقتصاد بالحياة اليومية بشكل كامل، وتعتبر أن الشركات التكنولوجية الكبرى تتحول إلى كيانات شبه دينية تُنتج الطاعة عبر الإدمان الرقمي.
يركز الكتاب على التعليم كساحة صراع باعتباره نقطة التحول الأخطر: استهداف الأطفال لإعادة تشكيل الوعي منذ الصغر، تحويل التعليم إلى منصة رقمية قائمة على التتبع والقياس، ربط المعرفة بـ"اقتصاد الانتباه" بحيث يصبح تركيز الإنسان سلعةً، ووصف هذا المسار بأنه "الطريق إلى الخرف الرقمي".
تربط المؤلفة الجذور الفكرية للمشروع الرقمي بين الرقمنة الحديثة والتيارات الفكرية العالمية، مثل: حركة "العصر الجديد"  (New Age) ، أطروحات المنتدى الاقتصادي العالمي، أدبيات "الثورة الصناعية الرابعة"… وترى أن هذه الاتجاهات ليست تقنية فقط، بل تحمل تصوراً فلسفياً جديداً للإنسان والمجتمع.
طابع الكتاب تحذيري ونقدي بحدةٍ عالية، يمزج بين التحليل السياسي والاجتماعي، يميل إلى تفسير شامل يقترب من نظريات المؤامرة، موجه بالأساس إلى القارئ المهتم بمستقبل الدولة والمجتمع في عصر الرقمنة… يطرح رؤيةً متشائمة لمستقبل الرقمنة، يربط بين التكنولوجيا وإعادة تشكيل السلطة، يقدّم قراءة أيديولوجية أكثر من كونها تحليلًا تقنياً.
يركز على فكرةٍ مركزية أن التحول الرقمي ليس مجرد تطور تقني، بل إعادة هندسة عميقة للسلطة والإنسان معاً، بحيث يصبح التحكم في البيانات هو الشكل الجديد من السيطرة السياسية والاجتماعية.
كتاب "من سيحكم العالم؟" يقدم رؤيةً نقدية تعتبر أن العالم يدخل مرحلة جديدة من الحكم غير التقليدي، بحيث تختفي الحدود بين التقنية والسلطة، وتتحول البيانات إلى أداة حكم شاملة. وبينما يطرح أسئلةً مهمة حول مستقبل الحرية في العصر الرقمي، فإنه يفعل ذلك من منظورٍ تحذيري حاد يرى في الرقمنة مشروعاً لإعادة تشكيل الإنسان والمجتمع بشكل جذري.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 5/31/2026 9:28:00 PM
فيديو متداول للرئيس أحمد الشرع وعقيلته في بلودان يثير تفاعلاً واسعاً
لبنان 6/2/2026 9:09:00 PM
بين طريق الخطر وطريق العلم والمعرفة، أثارت الحادثة موجة واسعة من الجدل، ترافقت مع انتقادات طالت وزارة التربية والتعليم العالي، حيث وجّه كثر أصابع الاتهام إلى وزيرة التربية ريما كرامي على خلفية الإصرار على إجراء الامتحانات حضورياً.
لبنان 6/3/2026 7:11:00 AM
يسلط التدقيق الضوء على شركة الطيران الوطنية التي تتخذ من بيروت مقراً لها، والتي حافظت على استمرار حركة الطيران في لبنان خلال الحرب والانهيار المالي.