الشرق الأوسط الجديد: من الحروب الجيوسياسية إلى محاولات طمس الهوية الثقافية للبنان

منبر 04-06-2026 | 11:51

الشرق الأوسط الجديد: من الحروب الجيوسياسية إلى محاولات طمس الهوية الثقافية للبنان

لم يكن لبنان يوماً مجرّد مساحة جغرافية صغيرة على شاطئ المتوسط، بل شكّل عبر تاريخه الطويل فكرةً ثقافيةً وحضاريةً تجاوزت حدوده السياسية.
الشرق الأوسط الجديد: من الحروب الجيوسياسية إلى محاولات طمس الهوية الثقافية للبنان
تصميم "النهار".
Smaller Bigger

د.علي حمود 

 

 

لم يكن لبنان يوماً مجرّد مساحة جغرافية صغيرة على شاطئ المتوسط، بل شكّل عبر تاريخه الطويل فكرةً ثقافيةً وحضاريةً تجاوزت حدوده السياسية. فمن هذه الأرض خرجت الأبجدية الفينيقية التي ساهمت في تطور الكتابة الإنسانية، وعلى أرضه تلاقت الحضارات الشرقية والغربية، ليتحوّل إلى مساحة فريدة للتعدد الفكري والديني والثقافي في المشرق العربي. لذلك، لم يكن استهداف لبنان عبر العقود عسكرياً أو سياسياً فحسب، بل طاول هويته الثقافية والرمزية، لأن القضاء على ذاكرة الشعوب يبقى الشكل الأخطر من أشكال الاستعمار الحديث.
اليوم، مع التحولات الكبرى التي يشهدها العالم، يعود الحديث عن "الشرق الأوسط الجديدط، ليس كمشروع جيوسياسي لإعادة رسم الحدود وموازين القوى فحسب، بل أيضاً كمحاولة لإعادة تشكيل الهويات الثقافية للشعوب، ودمجها أو تذويبها داخل كيانات فاقدة للخصوصية التاريخية. وفي هذا السياق، يصبح لبنان أحد أبرز أهداف هذا التحول بسبب فرادته الثقافية التي شكّلت دائماً عنصر إزعاجٍ لكل مشاريع الهيمنة والإلغاء.
من هنا، لا يمكن التعامل بخفةٍ مع حادثة تصنيف أدباء وشعراء لبنانيين كأعلام سوريين على جدارٍ في حديقة ثقافية في مدينة نيويورك. فالمسألة لا تتعلق بخطأ إداري عابر، بل تمسّ جوهر الهوية الثقافية اللبنانية وحق الشعوب في حماية تراثها المعنوي والتاريخي. وعندما يُنسب أدباء بحجم جبران خليل جبران أو ميخائيل نعيمة إلى هوية غير هويتهما الوطنية، فإن الأمر يتجاوز التصنيف الثقافي إلى محاولة طمس تدريجية للذاكرة اللبنانية المستقلة.
لقد اعترفت المواثيق الدولية الحديثة بأهمية حماية الهوية الثقافية للشعوب. فقد أكدت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) في "الإعلان العالمي بشأن التنوع الثقافيط الصادر عام 2001 أن التنوع الثقافي يُعدّ "تراثاً مشتركاً للإنسانية"، وأن حماية الهويات الثقافية جزء أساسي من حقوق الإنسان. كما شددت المنظمة على ضرورة صون التراث الثقافي ونقله إلى الأجيال المقبلة باعتباره عنصراً من عناصر الذاكرة الجماعية للشعوب.
ولبنان، الذي قدّم الى العالم أسماء بحجم الأخطل الصغير وفيروز وجبران خليل جبران، لم يكن مجرد دولة نشأت بعد اتفاقات القرن العشرين، بل كيان ثقافي متجذر في التاريخ. فمنذ إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920، ثم الاستقلال عام 1943، تشكّلت شخصية وطنية لبنانية واضحة قائمة على التعدد والانفتاح والإبداع الفكري. وحتى خلال سنوات الحرب الأهلية، بقيت الثقافة اللبنانية أحد آخر خطوط الدفاع عن فكرة لبنان.
إن أخطر ما في مشاريع الهيمنة الحديثة أنها لا تبدأ دائماً بالدبابات، بل بإعادة كتابة التاريخ، وتبديل الخرائط الذهنية، وإضعاف الرموز الوطنية. فحين تُطمس هوية الأدباء، وتُختزل الذاكرة الجماعية، يصبح من السهل لاحقاً تفكيك فكرة الوطن نفسه. لذلك، فإن الدفاع عن لبنان اليوم لا يقتصر على حماية حدوده السياسية فحسب، بل يشمل أيضاً حماية ذاكرته الثقافية، ولغته، وأدبه، وفنه، ورموزه الفكرية.
ولهذا تبقى العبارة الشهيرة المنسوبة إلى جبران خليل جبران تختصر معنى لبنان الحقيقي: طلو لم يكن لبنان وطني لاخترتُ لبنان وطناً لي". ويقابلها صدى عبارته الأخرى: "لكم لبنانكم ولي لبناني". بين العبارتين تختبئ معركة هوية كاملة؛ معركة شعب يرفض أن يتحول من وطن للثقافة والحضارة إلى مجرد تفصيل هامشي في خرائط الشرق الأوسط الجديد.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 5/31/2026 9:28:00 PM
فيديو متداول للرئيس أحمد الشرع وعقيلته في بلودان يثير تفاعلاً واسعاً
لبنان 6/2/2026 9:09:00 PM
بين طريق الخطر وطريق العلم والمعرفة، أثارت الحادثة موجة واسعة من الجدل، ترافقت مع انتقادات طالت وزارة التربية والتعليم العالي، حيث وجّه كثر أصابع الاتهام إلى وزيرة التربية ريما كرامي على خلفية الإصرار على إجراء الامتحانات حضورياً.
لبنان 6/3/2026 7:11:00 AM
يسلط التدقيق الضوء على شركة الطيران الوطنية التي تتخذ من بيروت مقراً لها، والتي حافظت على استمرار حركة الطيران في لبنان خلال الحرب والانهيار المالي.