مَن يجروء؟
الاب ايلي قنبر
1-"إنَّ القِدّيسينَ جميعاً بالإيمان قد قَهَروا ٱلمَمالِكَ، وَعَمِلوا ٱلبِرَّ"
"عَجيبٌ ٱللهُ في قِدّيسيهِ" تعادل مقولة "كلّ شيء ممكن للمؤمن". و"بالبِرّ الذي عملوه" قهر المؤمنات والمؤمنون جبروت أسياد هذا العالم بشهادتهم للحقّ حدّ استشهادهم دون التراجع عمَّن آمنوا به". "وَتَقَوّوا مِن ضُعفٍ" رغم أنّهم "ذاقوا ٱلهُزءَ... وَٱلقُيودَ أَيضاً وَٱلسِّجن..."، مُقاومين ممالك هذه الدنيا التي "تسود" وتستعبد وتُذلّ وتُسخّر وتسلب الموارد، فكانوا قدوة لأجيال قابلة.
في الموازاة، نلحظ غياب الانسان البارّ والفقيه وطالب الله، في الكنائس وفي المجتمع. فمثَلاً، "هل يمكن أن يُنسب إلى الله... إقامة من يثبت فساده، أو تسلّطه، أو تفاهته، أو سطحيّته، أو مرضه الروحيّ والنفسيّ، أو استغلاله للسلطة والناس، ثمّ يبقى على ما هو عليه بعد (نَيلِه) الأسرار؟". ويُسجَّل ضلال كثيرين "أَرجُلُهُم مُسارِعَةٌ إِلى سَفكِ ٱلدَّم... وَلَم يَعرِفوا سَبيلَ ٱلسَّلام". لذلك لا يسوء "الديموقراطية أن يحكم العالم طواغيت مجرمون... ما دامت هناك أكثرية تصفّق لهم". ويستمرّ الضلال وسفك الدماء حتّى "تُحرز الدول الملتزمة الديموقراطية أكثرية تدين الحرب وتدعو إلى وقفها"، وإلَّا "فعلى الناس والشعوب والدول المُعتدى عليهم أن يواجهوا أقدارهم بأنفسهم" كي لا "تبقى ضعيفة مستهلِكَةً لا تقوى على حماية مصالحها ومواردها". من هنا حاجتنا إلى نظامٍ جديد للحُكم يقوم على "*ديموقراطية الحكماء*، حتى لا تتحكّم بالعالم *رعونة الأقوياء*" على حدّ تعبير م. رعد.
2-سلام يسوع
عالمنا بحاجة لأن نسمع كلمات يسوع الْفيها رنّة مميَّزة. هي الأمتع والألطف لأنّها صادرة عن قلب وديع ومتواضع، عن رجُل يُريح ثقيلي الأحمال ويرطّب نفسيّة مَن أُصيب بجفاف الروح والعاطفة. كلماته مُحيِيَة حتّى أنّ مجمل شهادته دُعِيَت "الإنجيل"، أفضل خبر سارّ بين الأخبار السارّة.
ومع ذلك، يتهيّأ لبعضنا أنّ كلماته صعبة الفهم والاستيعاب. مِثل هذه: "لا تَظُنّوا أَنّي جِئتُ لِأُلقِيَ عَلى ٱلأَرضِ سَلاماً" و"أَعداءُ ٱلإِنسانِ أَهلُ بَيتِهِ"، وأُخرى ورَدت في الأناجيل. طبعاً يمكن تأويلها بألف طريقة وطريقة كما يحلو لنا - هي كُتبَت لأجل هذا - شريطةَ أن يكون تأويلنا خبراً سارّاً لكلّ شخص، حتّى للخطأة، على غرار يسوع.
ولكن هل تساءلنا لِمَ اعتمد يسوع أحياناً هذا الأسلوب الإستفزازيّ في المخاطَبة؟ أليسَ لأجل أن نعتمد التفكُّر الباحث بِلا توقّف بدلاً من الاستراحة في عالم التصوّرات التبسيطيّة، "لئلَّا ننام نومة الموت"؟
ليسوع كلمة قاطعة في ما خص السلام تسهّل علينا فهم قصده من "لا تَظُنّوا أَنّي جِئتُ لِأُلقِيَ عَلى ٱلأَرضِ سَلاماً". لقد كان حاسماً بقَوله: "هنيئاً لصانعي السلام، فإنّهم أولاد الله يُدعون". يعمل المسيح على بناء السلام بيَده قطعة تلو القطعة كحِرَفيّ، بحذاقة وشغف. يسوع-المسيح ليس مسيحاً مقاتلاً يفرض سلامه بقوّة السلاح كأنّه داود الجديد، "بيبي" الكَيان الغاصب. إنّه "مسيح" حركة التعاطف وإعلان إنجيل طّيبة الله الجذريّة حتّى حيال أعدائه.
من هنا علينا التمييز لئلَّا نخلط بيننا وبين الله. وإلّا لَكان كلّ مُفتعِل حروب وغير متسامح وكاره يعدّ نفسه معادِلًا لله، ولاعتقد أن أفكاره هي أفكار الله. إذن، علينا أن نقطع حبل السرّة و"أن نذهب مباشرة إلى ذواتنا". يجب أن نبدأ ببناء السلام في ذاتنا ومن حولنا لُبنةً لُبنة وخطوة خطوة، ولكن على غرار يسوع الذي حدّثنا كيف يُعامل الله أعداءه: هو يُحبّهم ويعتني بهم، ويقترح علينا أن نقتدي به هو الذي يجرؤ على كلّ شيء.
3-جاعِلينَ نَظَرنا إِلى يَسوعَ، مُبدِئِ ٱلإيمانِ وَمُكَمِّلِهِ
"وَكَثيرونَ أَوَّلونَ يَكونونَ آخِرينَ، وَآخِرونَ يَكونونَ أَوَّلين". هذا ما كشفته الحروب والأزمات، إذ فضحت "حدود الخطاب الغربي حول الديموقراطية وحقوق الإنسان، وصولاً إلى التحوّلات الرقميّة التي أنهت احتكار الغرب لإنتاج الرواية والمعنى". فـ"الغرب كما
الشرق من صنع البشر يقوم جزئياً على تأكيد الذات، وجزئياً على توصيف الآخر، وأنّ اختراع الغرب جاء لتوفير التبرير الأيديولوجي للهيمنة الغربيّة".
نعم، "ثقافياً، لم يعد النموذج الأميركي هو "القِبلة" الوحيدة؛ فالعالم اليوم لا يعيش "نهاية التاريخ"، بل يعيش نهاية "الغرب الأميركي" العاجز عن احتكار السلاح والعلم والتكنولوجيا والفنّ كما كان يفعل سابقاً". حتّى تبيّن أنّ"القوة ليست بضخامة الميزانيّات العسكريّة فحسب، وإنما بالقدرة على فرض رؤية ثقافيّة وأخلاقيّة مثيرة للإعجاب وتحترم الإنسان، وهو ما خسره الغرب بالسكوت عن سنوات من الإبادة والتجويع في غزة".
... هذا، و"لم يعد (العالم) يتلقّى الحقيقة من مركز واحد"... ذلك "إنّ التحوّلات الرقميّة، وصعود أصوات الجنوب العالمي، ساهمت في إعادة توزيع سلطة السرد والمعرفة على نطاق غير مسبوق.
"نَحنُ أَيضاً إِذ يُحدِقُ بِنا مِثلُ هَذا ٱلسَّحابِ مِنَ ٱلشُّهودِ (من جنوب الأرض)، فَلنُلقِ عَنّا كُلَّ ثِقلٍ، وَٱلخَطيئَةَ - الاستعمار والهيمنة - ٱلمُحيطَةَ بِنا بِسُهولَةٍ، وَلنَسعَ بِصَبرٍ في ٱلمَيدانِ ٱلمَوضوعِ أَمامَنا، جاعِلينَ نَظَرنا إِلى يَسوعَ، مُبدِئِ ٱلإيمانِ (بالانسان) وَمُكَمِّلِهِ".
نبض