بين المقاومة وخطاب السلطة: نحو خيار لبناني رابع للاستقلال والسيادة
لا يقتصر النقاش الوطني على الاختيار بين مقاومة مسلحة من جهة، والتسليم بالشروط الإسرائيلية أو الأميركية من جهة أخرى.
جبران الخوري*
يثير المقال الذي كتبه رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد بعنوان "لقد تعلّمنا الدرس من فلسطين... لذلك سنقاوم!" إشكالية أساسية تتجاوز السجال السياسي اليومي حول الحرب الدائرة في لبنان، وتتصل بالسؤال الأعمق المتعلق بمستقبل الدولة اللبنانية وموقعها في الإقليم.
فالمقال يقدم قراءة متماسكة ضمن المنظور الذي تتبناه المقاومة، ويرتكز إلى سردية تاريخية وسياسية ترى أن إسرائيل تمثل مشروعاً توسعياً دائماً، وأن مقاومة هذا المشروع ليست خياراً سياسياً ظرفياً بل ضرورة وجودية لحماية لبنان ومنع إخضاعه.
لا يمكن إنكار أن هذا الطرح يستند إلى وقائع تاريخية مرتبطة بالاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من لبنان، وإلى تجربة طويلة من المواجهة العسكرية التي أسهمت في إنهاء الاحتلال عام 2000 وفي فرض معادلات ردع لاحقة. كما يصعب تجاهل أن إسرائيل ما زالت تحتل أراض لبنانية، وأنها تمارس اعتداءات متكررة على السيادة اللبنانية، ما يجعل مسألة الدفاع عن لبنان قضية مشروعة في أصلها.
غير أن الإشكالية الأساسية في المقال لا تكمن في تأكيد حق لبنان في الدفاع عن نفسه، بل في حصر الخيارات الوطنية بثنائية تكاد تكون مغلقة: إما المقاومة وإما الاستسلام. فالمقال يتعامل مع كل دعوة إلى مقاربة مختلفة باعتبارها شكلاً من أشكال الرهان على العدو أو الانخراط في مشروعه، فيما يغيب عنه نقاش جدي لخيار ثالث أو رابع يمكن أن يجمع بين مقتضيات الدفاع عن الوطن ومتطلبات بناء الدولة.

ففي الواقع، لا يقتصر النقاش الوطني على الاختيار بين مقاومة مسلحة من جهة، والتسليم بالشروط الإسرائيلية أو الأميركية من جهة أخرى.
ثمة مسار آخر يتمثل في بناء دولة قوية وقادرة ومقتدرة، تمتلك مؤسسات فاعلة واقتصاداً منتجاً وجيشاً مجهزاً وإدارة حديثة وعلاقات دولية متوازنة، بما يسمح لها بحماية سيادتها والدفاع عن مصالحها من دون الارتهان لأي محور خارجي.
وتبرز هنا تجارب دول صغيرة نجحت في الحفاظ على استقلالها رغم وقوعها في بيئات دولية وإقليمية شديدة التعقيد. فسنغافورة، على سبيل المثال، لم تبنِ أمنها القومي على الانخراط الكامل في صراعات القوى الكبرى، بل جعلت أولويتها بناء الدولة والمؤسسات والاقتصاد والتكنولوجيا والقدرات الدفاعية الذاتية، واستطاعت عبر سياسة خارجية براغماتية ومتوازنة أن تحافظ على مصالحها الوطنية وسط التنافس المحتدم بين الولايات المتحدة والصين.
من هذه الزاوية، تبدو المشكلة في لبنان أن هذا الخيار لا يجد اليوم من يتبناه بصورة فعلية وكاملة. فالسلطة الحالية تبدو، في نظر منتقديها، وقد وضعت القسم الأكبر من رهاناتها السياسية والأمنية والدبلوماسية في السلة الأميركية، وتعاملت مع الضغوط الدولية باعتبارها الإطار الوحيد الممكن لإدارة الأزمة اللبنانية. ويخشى كثيرون أن يؤدي هذا النهج إلى مزيد من تقييد القرار الوطني وإلى فتح المجال أمام إسرائيل لفرض شروطها السياسية والأمنية بصورة مباشرة أو غير مباشرة على لبنان.
في المقابل، تنطلق المقاومة من قناعة راسخة بأن الخطر الإسرائيلي لا يمكن مواجهته إلا ضمن محور إقليمي يوفر الدعم السياسي والعسكري والمالي اللازم للاستمرار. وقد أثبت هذا الخيار فعاليته في محطات عديدة من الصراع. إلا أن هذا النجاح لا يلغي الحاجة إلى طرح سؤال استراتيجي مشروع: كيف يمكن الانتقال من نموذج يعتمد بصورة أساسية على شبكة تحالفات إقليمية إلى نموذج دولة تمتلك بنفسها مقومات القوة والاستقلال والاستدامة؟
إن التحدي الذي يواجه المقاومة اليوم، في ظل استمرار المواجهة مع إسرائيل، لا يقتصر على المحافظة على عناصر الردع ومنع فرض الوقائع بالقوة، بل يمتد إلى ضرورة بلورة رؤية سياسية ووطنية متكاملة تجعل من بناء الدولة اللبنانية المستقلة هدفاً استراتيجياً موازياً ومكملاً لفعل المقاومة. فالدفاع عن الوطن لا يكتمل بحماية الأرض فحسب، بل يقتضي أيضاً بناء الدولة القادرة على صون سيادتها وترجمة تضحيات أبنائها إلى استقرار وازدهار ومؤسسات فاعلة.
ولعل أحد أوجه القصور التي رافقت سردية المقاومة منذ نشأتها تمثل في عدم إعطاء هذا البعد ما يستحقه من حضور ووضوح في خطابها وعملها السياسي. فإبراز مشروع الدولة بوصفه الغاية النهائية من المقاومة يشكل عاملاً أساسياً في مخاطبة الشريك الآخر في الوطن وطمأنته إلى أن الوسائل العسكرية ليست هدفاً قائماً بذاته، ولا مشروعاً دائماً منفصلاً عن الدولة، بل أداة فرضتها ظروف الصراع والدفاع عن البلاد.
أما الغاية المنشودة، فهي قيام دولة عادلة وسيدة وحرة ومزدهرة، تحتكم إلى المؤسسات والقانون، وتحظى بثقة جميع مواطنيها، وتتمتع بالقدرة على حماية استقلالها وصنع قرارها الوطني بعيداً عن أي وصاية أو هيمنة خارجية. وهذه مهمة لا تقع على عاتق فريق دون آخر، بل تتطلب جهداً مشتركاً من جميع الشركاء في الوطن، باعتبار أن بناء الدولة ليس مشروع فئة، بل مشروع وطن بأكمله.
إن نجاح أي حركة مقاومة لا يقاس فقط بقدرتها على إلحاق الأذى بالخصم أو منعه من تحقيق أهدافه، وإنما أيضاً بقدرتها على المساهمة في إنشاء دولة مستقرة وقادرة على تحويل الإنجازات العسكرية إلى مكاسب وطنية دائمة.
من هنا، فإن الخيار الرابع الذي يحتاجه لبنان، بالإشارة هنا الى الخيارات الثلاث التي طرحها النائب رعد، لا يقوم على التخلي عن حقه في الدفاع عن نفسه، ولا على التسليم بالتفوق الإسرائيلي، كما لا يقوم على الارتهان لأي محور إقليمي أو دولي مهما كانت مبررات ذلك. إنه خيار بناء دولة قوية تمتلك وحدها قرارها الوطني، وتستطيع إقامة علاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية والإقليمية وفقاً لمصالحها الوطنية، لا وفقاً لمصالح الآخرين.
فالمعضلة الحقيقية ليست في الاختيار بين واشنطن وطهران، ولا بين الاستسلام والمقاومة، بل في كيفية الخروج من منطق المحاور المتقابلة نحو منطق الدولة القادرة. ذلك أن بقاء لبنان ساحة لتنافس المشاريع الخارجية سيؤدي حكماً إلى استمرار أزماته البنيوية، مهما تبدلت موازين القوى أو تبدلت التحالفات.
ولعل التحدي الوطني الأكبر في المرحلة المقبلة يتمثل في إيجاد صيغة تتيح الجمع بين متطلبات الردع والدفاع من جهة، ومتطلبات بناء الدولة الحديثة من جهة أخرى.
الدولة القوية ليست نقيضاً للمقاومة، كما أن المقاومة لا ينبغي أن تكون بديلاً عن الدولة. والنجاح الحقيقي لأي مشروع وطني لبناني يكمن في الوصول إلى مرحلة تصبح فيها قوة الدولة نفسها هي الضمانة الأولى للاستقلال والسيادة والازدهار.
عندها فقط يصبح لبنان قادراً على حماية نفسه من إسرائيل، ومن أي نفوذ خارجي آخر، من دون أن يتحول إلى ساحة صراع للآخرين أو إلى جزء من مشاريعهم المتنافسة.
*ماجستير في إدارة الشؤون الدولية والدبلوماسية
نبض